ابني والسّرقة

البوصلة/ إرشادات تربوية

فاطمة فرحات ـ اختصاصية في علم النفس العيادي

حرّم الإسلام السرقة ووضع لها عقوبة قاسية في الدّنيا قبل الآخرة. وقد ورد عن رسول الله ص أنه قال "لَا يَسْرِقُ‏ السَّارِقُ وهُوَ مُؤْمِن". ولمّا كانت السرقة إلى هذه الدرجة من القبح، فمن الطبيعي أن يقلق أي أب أو أم إذا ما اكتشفوا أنّ طفلهم يقدم على أخذ أي شيء خلسة ومن دون استئذان. عندما يختلس الطفل يشعر الآباء بالخوف. إنهم يقلقون بشأن السّبب الّذي يدفع طفلهم إلى السرقة، ويتساءلون عن مستقبل ولدهم كيف يمكن أن يكون؛ أيمكن أن يصبح الطفل البريء من "الجانحين الأحداث" أو المخالفين للقوانين مستقبلًا.
إذا كنتم ممن اكتشف سلوكًا مماثلًا في طفلكم، ننصحكم قبل القيام بأيّة ردّة فعل حيال تصرّفه، بالاطّلاع على الأسباب التي تدفع الأطفال إلى الإقدام على هذا الفعل، وكيف يمكن الحصول على مساعدة في هذا الجانب.

لماذا يسرق الأطفال والمراهقون؟
الأطفال من جميع الأعمار - من مرحلة ما قبل المدرسة إلى المراهقة- إذا أقدموا على السرقة فإن فعلهم هذا يرجع لأسباب مختلفة:
بدايةً لا بدّ من الانتباه إلى أنّه من الطّبيعي أن يأخذ الطفل الصغير أي غرض يجذب اهتمامه. ولا يعدّ ذلك سرقة حتى يبلغ من العمر ثلاث إلى خمس سنوات، لأنه في هذه الفترة يبدأ بإدراك مفهوم الخطأ وأنّ أخذ أيّ شيء يملكه شخص آخر هو فعل خاطئ.
في بعض الأحيان، يأخذ الأطفال الصغار الأشياء التي يريدونها دون أن يدركوا أن لها ثمنًا مادّيا، أو أنّه من الخطأ أخذها دون مقابل.
يدرك الأطفال في سنّ المدرسة عمومًا أنه لا ينبغي أخذ شيء إلا بدفع ثمنه؛ لكنهم قد يفعلون ذلك على أي حال لأنهم يفتقرون إلى ما يكفي من ضبط النفس.
الوازع الديني والأخلاقي يشكّل حصانة أساسية للأطفال ضدّ هذه المخالفات، هذا بالإضافة إلى الإشباع العاطفي وحسن الرعاية وتأمين الاحتياجات من قبل الوالدين. لكن في بعض الأحيان، ورغم قيام الأهل بما يعرفونه من مسؤوليات التربية، نجد بعضهم يشكو من هذا البلاء مع أحد أولادهم.
بعض الأطفال والمراهقين يعرفون أن السرقة مخالفة للقانون، لكن قد يسرقون من أجل التّشويق والمغامرة، أو لأن أصدقاءهم يفعلون ذلك؛ فيحاولون بذلك تقديم عرض شجاع أمام زملائهم. قد يعتقد البعض أنهم يستطيعون الإفلات من العواقب. ومع إعطائهم فسحة من السيطرة على حياتهم أكبر، فإنّ بعض المراهقين قد يسرقون كتعبير عن التّمرد.
للسرقة أسباب معقّدة تؤثر فيها عوامل عديدة. قد يكون الأطفال غاضبين أو يحتاجون إلى الاهتمام، فيلجأون إلى هذا الفعل القبيح. قد يكون سلوكهم هذا انعكاسًا لمستوى معاناتهم في المنزل أو المدرسة أو مع الأصدقاء. يسرق بعض الأطفال كصراخ للحصول على المساعدة بسبب الإساءات العاطفيّة أو الجسديّة التي يتعرّضون لها. ويجب على الآباء النظر فيما إذا كان طفلهم يقوم بمثل هذا الفعل جراء حاجته إلى مزيد من الاهتمام. في هذه الحالات، قد يكون التعبير عن الغضب هو السّبب؛ فقد يصبح الشيء المسروق بديلا عن الحبّ أو المودة المبتغاة. يجب على الوالدين بذل الجهد لإعطاء الطفل المزيد من الاهتمام وإشعاره بأنه عضو مهمّ في العائلة.
وعلى الرغم من أنّهم تعلّموا أن السرقة خاطئة، قد يسرق بعض المراهقين ليجعل الأمور متساوية بينه وبين إخوته؛ خاصة إذا كان الأخ أو الأخت يبدو مفضّلًا عند الأهل من ناحية المودّة أو الهدايا. قد يسرق الطفل من أجل تقديم هدايا للعائلة أو الأصدقاء أو ليكون أكثر قبولًا من قبل الزّملاء. قد يسرق الأطفال أيضًا لأنهم لا يرغبون في الاعتماد على أيّ شخص، لذلك فهم يأخذون ما يشعرون أنهم بحاجة إليه. يسرق الأطفال والمراهقون لأنهم لا يستطيعون تحمّل تكاليف ما يحتاجون إليه أو يرغبون فيه.
وأيًّا كان سبب السرقة المباشر، يجب على الآباء العمل على معالجة جذور هذا السلوك كما المشاكل الأساسية الأخرى؛ مثل التهميش العاطفي والضغط المعنوي أو أيّة حالة مرافقة.

ماذا يجب أن أفعل؟
مع الأطفال الصغار جدًّا، يحتاج الآباء إلى مساعدتهم على فهم أن السرقة خاطئة وغير مقبولة أبدًا؛ عندما نأخذ شيئًا دون طلب مسبق أو دون أن ندفع مقابل قيمته، فإنّنا نؤذي شخصًا آخر. على سبيل المثال، إذا أخذ أحد الأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة قطعة حلوى من المتجر دون أن يدفع ثمنها، يمكن للوالدين مساعدة الطّفل على إرجاع القطعة إلى مكانها. وإذا كان الطفل قد أكل الحلوى بالفعل، يمكن للوالدين أخذ الطّفل إلى المتجر للاعتذار ودفع ثمن القطعة.
مع الأطفال في سن المدرسة أيضًا، من المهم إرجاع القطعة المسروقة. ويجب أن يعرف الأطفال أن السّرقة عمل خاطئ. لكنهم قد يحتاجون إلى فهمٍ أفضل للعواقب. مثال على ذلك: إذا عاد الطفل إلى منزله مع لعبة لصديق له، وكان من الواضح أن الطفل أخذها دون إذن الصّديق، يجب على الوالد التّحدث إلى الطفل عن الكيفية التي سيشعر بها هو إذا أخذ صديقه شيئًا من ممتلكاته دون أن يسأله. يجب أن يشعر الطفل بالندم على فعله ويُتوقّع أن يعرب عن سبب إقدامه على هذا الخطأ، ومن ثمّ يجب على الوالد تشجيع الطّفل على الاتصال بصديقه للاعتذار، وشرح ما حدث، ووعده بإرجاع ما أخذه.
مع المراهقين، يوصى بأن يتبع الآباء عواقب أكثر صرامة. على سبيل المثال، إذا تم القبض على مراهق وهو يسرق للمرة الأولى من جيب أحد أقاربه، يمكن للوالد أن يطلب من المراهق إعادة المسروق والاعتذار الى صاحبه، فالإحراج بمواجهة ما فعله هو، أو اضطراره إلى إعادة مادّة مسروقة، يقدّم درسًا لن يُنسى عن سبب كون السّرقة خاطئة.
أما إذا تكرر السلوك مع عدم الندم على الفعل يتوجب اللجوء الى أهل الاختصاص لإجراء تعديل لسلوك الطفل أو المراهق.
ننصح بعدم اللّجوء إلى أيّ نوع من التّطرف في العقوبات؛ كالعقوبة الجسديّة، والضرب والتنكيل، لأنّ ذلك من شأنه أن يُغضب الطفل أكثر ويجعله أكثر عرضة للانخراط في سلوك أسوأ؛ خاصة في عمر المراهقة.
إذا سرق الطفل المال من أحد الوالدين، يجب أن يُعرض على الطفل خيارات لتسديد المال؛ مثل القيام بأعمال إضافية في المنزل، تخفيض مصروفه حتى يستعاد المبلغ المسروق، أو العمل لتسديد ما تمت سرقته. ومن المهم ألا يقوم أحد الوالدين بوضع فخ للطفل عن طريق ترك المال أمامه بهدف اصطياد الطفل وهو يقوم بهذا الفعل وفضحه، فقد يؤدي ذلك إلى خدش الثقة بين الوالدين والأطفال. ولكن لا بأس بعد توجيههم من اختبارهم للتأكد من انبعاث الرادع الداخلي الذي يمنعهم عن أخذ ما ليس لهم قبل اللجوء الى المختصين.

ولا ننسَ أننا نحن قدوة لأطفالنا أيضا؛ فإذا كنت تأتي إلى المنزل مع قرطاسية أو أقلام من المكتب، أو تتفاخر بخطأ في فاتورة السوبر ماركت، أو بتحايلك على دفع ضريبة السرعة، فإن دروسك حول الصدق ستكون صعبة الفهم جدًّا على طفلك.
وإيّاكم والمحاضرات، والتنبّؤ بالسّلوك السيّئ في المستقبل، أو القول بأنكم تعتبرون الطّفل، الآن، سارقًا أو شخصًا سيّئًا؛ فعندما يدفع الطفل ثمن البضاعة المسروقة أو يعيدها، لا ينبغي للوالدين طرح الموضوع مرة أخرى؛ بل يجب إعطاؤه فرصة للبدء بصفحة جديدة نظيفة.
ومهما كان السبب الأساسي، إذا اكتشفت أن السرقةَ باتت عادةً عند طفلك، ولم تتمكّن من معالجته، بادر للحصول على المساعدة. الأشخاص الذين يمكن التحدّث معهم ويمكنهم مساعدتك أو مساعدة طفلك يشملون: عالم الدين، المرشد التربوي والاجتماعي، المرشد المدرسي، خاصة إذا كان طفلك يسرق من المدرسة، المعالج السلوكي، والاختصاصي النفسي.
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

فاطمة فرحات ـ اختصاصية في علم النفس العيادي