الصديق المضمون

البوصلة/ إرشادات تربوية

أمل عبد الله ـ كاتبة

ماذا لو؟ سؤال يطارد الأزواج منذ اللحظة الأولى التي يفكرون فيها بالإنجاب. ماذا لو لم نستطع الانجاب؟ ماذا لو عانى الجنين مشاكل خَلْقية؟ ماذا لو لم ينعم الوليد برضاعة طبيعية، أو أُصيب بالمغص؟ ماذا لو لم يحبّ الطفل المدرسة؟ ماذا لو عانى من التنمّر أو كان متنمّرًا؟ ... وإذا ما استثنينا الأهل الذين يرغب جميع الأولاد بمصادقة أبنائهم، فإن الصداقة أو القدرة على اكتساب الأصدقاء هي أيضًا أحد الأمور التي قد تثير قلق الأهل..
ماذا لو لم يكن لديه أصدقاء؟ أو ماذا لو لم يكن لديه الكثير من الأصدقاء؟
ولدفع هذا القلق يولي الأهل أهمية لقدرة أبنائهم على اكتساب الاصدقاء، فيقومون بعدة خطوات لتنمية هذه المهارة. من هذه الخطوات تعريف الطفل على أقرانه من أبناء الأقارب أو الأصدقاء أو الجيران، وتوفير الأجواء الملائمة لنمو هذه الصداقات من خلال أنشطة مشتركة، كالرحلات أو الاستضافة للعب وتناول الأطايب أو من خلال تأمين ألعابٍ تستلزم مشاركة أكثر من طرف، وأيضًا من خلال تشجيع الأطفال على السلوك الذي يقرّب بينهم وبين أقرانهم، كالمشاركة في الممتلكات (ألعاب، قصص...) أو تقديم الهدايا أو إظهار المودة، وغيرها من الأمور التي تساعد على إذابة الجليد بين الأولاد وبناء جسورِ أُلفةٍ قد تتحوّل مع الأيام إلى صداقة.
يتكبّد الأهل كل هذا العناء ليس فقط لاعتقادهم بأن الصداقة ضروريةٌ ليحصل أولادهم على أوقات ممتعة ومسلية، بل لأنهم يعتبرونها مؤشرًا على مدى نجاح أبنائهم في المراحل المقبلة من حياتهم. فالقدرة على اكتساب الأصدقاء تعتبر مؤشرًا على إمكانية بناء علاقات سليمة مع المحيط، وعلى التواصل الإيجابي مع الآخرين. وهي تؤثر في نظرة الأبناء لأنفسهم ومستوى تقديرهم لذواتهم؛ الأمر الذي يؤثر بدوره على مدى ثقتهم بأنفسهم وبالتالي قدرتهم على تحقيق طموحاتهم ومواجهة صعوبات الحياة. كلّ هذا يضع الصداقة بالنسبة للأهل في خانة الحاجة، وتكون بالنسبة للبعض حاجةً ملحّة. "يجب أن يكون لابني أو ابنتي أصدقاء!"
لكن هذا التأثير القريب والبعيد المدى يجعل موضوع الصداقة مع الآخرين سلاحًا ذا حدّين، ويطرح علامة استفهام حول الحكمة من تركيز الأهل على أمر قد يفشل في النهاية لأبسط الأسباب. فما الذي يضمن أن ينسجم أبناؤنا مع أقرانهم ويصبحوا أصدقاء؟ وإذا تحقّقت الصداقة، من يضمن استمرارية هذه الصداقة المحكومة بأمزجة الأولاد المتقلّبة؟
بالتأكيد لن يستطيع الأهل أن يحموا أبناءهم من جميع الخيبات التي قد تحملها تلك الصداقات، لكن وجود صديق "مضمون" بجانبهم سيخفّف حتمًا من آثارها السلبية عليهم. فأين يجدون هذا الصديق؟
حين نتعرّف على شخص ما، نبدأ، من حيث لا ندري، باستكشافه. نحاول التعرّف على أفكاره وميوله وطباعه وأحلامه وطموحاته في الحياة، وبقدر ما ننسجم معها تتعزّز علاقتنا به وتزداد رغبتنا في التقرّب منه، لنجد أننا أصبحنا بمرور الوقت أصدقاء. ونحن، إذا كنّا نؤمن أن كل طفل هو كنز فريد يختزن بداخله قدرات وطاقات عظيمة جديرة بأن تُستكتشف، سندرك أن رحلة الصداقة التي نريدها لأبنائنا ينبغي أن تبدأ من داخلهم؛ من ذواتهم. عليهم قبل كل شيء أن يصادقوا ذاتهم! ولأن الصداقة لا تُبنى إلا من خلال المعرفة، علينا أن نساعد أبناءنا على معرفة أنفسهم.
تتحقّق هذه المعرفة حين نفسح المجال لهم للسؤال عن كل ما يخطر ببالهم، ونساعدهم في البحث عن إجابة تشبع شغفهم. وتتطوّر هذه المعرفة حين نعينهم على اكتشاف مواطن تميّزهم وعلى تعزيز نقاط قوتهم، وحين نشجّعهم على البوح بمخاوفهم ونساعدهم على مواجهتها.
ومع الوقت، ستتيح لهم هذه الصداقة الفرصة ليطوّروا هذه الذات ويخلّصوها تدريجيًّا من شوائبها ويفعّلوا طاقاتها، تمامًا كما ينبغي للأصدقاء أن يفعلوا. فالصديق ليس الشخص الذي يقبلنا على علّاتنا وإنما هو من يعيننا على أن نصبح أشخاصًا أفضل.
حين ينجح أبناؤنا في مصادقة ذواتهم لن يكون تقديرهم لها معتمدًا بالدرجة الأولى على نظرة الخارج، وإنما سيكون نابعًا من معرفتهم بميزاتها وبنقاط ضعفها، ولهذا سيكون تقديرًا واقعيًا. حينها لن يُفقِدهم إقبال الآخرين عليهم اتّزانهم فيذهبون باتجاه خيارات غير مدروسة (ضغط الأقران)، ولن يُغرِقهم الإعراض عنهم في كآبة يصعب التخلّص منها.
سعيهم لتكوين صداقات لن يكون لأجل أن يشعروا بقيمة أنفسهم ودورهم في هذه الحياة، بل لأنهم يرغبون في مشاركة الآخرين بالخير والجمال الذي يختزنونه، وفي التعرّف على الغنى الذي يختزنه أقرانهم. في هذه العلاقة يستطيع كل طرف أن يكون على سجيّته دون أي شعور بالضغط أو النقص، وسيسود التعاون دون سيطرةٍ لطرف على آخر، لتصبح العلاقة تكاملية.
إن السعي إلى الصداقة من منطلق الرغبة لا من منطلق الحاجة، هو المطلوب. فالاحتياج قد يدفع أبناءنا للقبول بمصادقة أي شخص يرضى بالتواصل معهم، حتى لو لم تجمعهم أي قواسم مشتركة. أما الرغبة فستدفعهم للبحث عن الشخص الأنسب الذي يلتقون معه في الكثير، وقد يختلفون معه في الكثير أيضًا، لكنه اختلاف سيعلّمهم إجراء تسويات عادلة تحفظ هذه الصداقة وتمتّنها، لا تنازلات مجحفة تقضي عليها في نهاية المطاف.
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

أمل عبد الله ـ كاتبة
كاتبة للأطفال