5 خطوات عملية للكفّ عن التسويف!

البوصلة/ إرشادات تربوية

عزة فرحات

يُعرّف التسويف على أنه تأجيلٌ غير مبرّر لإنجاز عمل مطلوب رغم معرفتنا بأن لهذا التأجيل أضرارًا سواء على مستوى العمل نفسه أو على مستوانا الشخصي. وهو مشكلة يعاني منها معظم الناس- لا الأولاد فقط- وإن كان ذلك بدرجات ونسب متفاوتة.
فلماذا يؤخر الإنسان عمومًا عمل اليوم إلى الغد، رغم معرفته بأنّ للغد عملًا آخرا؟ وما الذي يجعله يكرّر هذا الأمر رغم معرفته بنتائجه الوخيمة حتى يصبح عادةً لديه وصفةً من صفاته؟!
قد تكون الأسباب كثيرة ومتنوّعة، لكنها جميعًا ترجع إلى أمرين أساسيين في النفس البشرية.
فكما أن نفس الإنسان تميل إلى اللذة والراحة والسعادة فهي كذلك تنفر من الألم والتعب والمشقّة. وهذه إحدى مقتضيات الفطرة. ولأن الفطرة في انجذابها نحو اللذة تطلب كلّ لذة، حتى العاجل منها والزائل، وفي نفورها من الألم تهرب من كل ألم، حتى القليل منه والضروري، تحتاج الفطرة إلى من يهديها ويدلّها على أن مرغوبها هو في اللذة الأكبر والأبقى، ومنفورها هو في الألم الأطول والأقسى. وهذه إحدى وظائف العقل.
فإذا كان العقل قويًّا وحاكمًا اهتدت الفطرة بهديه، وعرف الإنسان أنه لا ضير في قليل من الجهد والتعب في عملٍ واجبٍ إذا أعقبه سعادةٌ أكبرُ ولذةٌ أدومُ من مجرّدِ راحةٍ مؤقتة ينغصّها شعورٌ دائمٌ بالتقصير جراء ترك العمل، ولن يقع بالتالي في التسويف.
أما إذا كان العقل ضعيفًا وأسيرًا لهوى النفس تغلَّبَ الوهمُ، وبات الحصول على ثمرة فورية ولذة مباشرة من وراء العمل هو الأقوى، ووقع الإنسان ضحيّة التسويف في أعماله التي لا يكون مردودها فوريًّا.
وغالبًا ما تكون الأعمال الأهم في حياة الإنسان أمورًا عائداتها مؤجلة. ليس للدرس مثلًا ثمرة مباشرة بالنسبة للتلميذ، بل ثمرته تحصل بشكل تراكمي وعلى مدى فترات ممتدة. وكذلك الرياضة لا تظهر آثارها على صحة الإنسان ولياقته البدنية إلا بعد ممارستها لمدة طويلة نسبيًّا، ولذلك يقع التسويف فيهما عند كثير من الناس. وهكذا حال الأعمال المهمة التي تكون لها مُهَلًا ممتدة لتنجَز. وكذا هو حال الآخرة في قبال الدنيا، وحال كثير من الناس في إقبالهم على العاجل وتسويفهم للآجل وقد قال الله تعالى فيهم {ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}.
بقليلٍ من التأمل يدرك الإنسان أن الأعمال المهمة في الحياة لذّاتها أكبر وإن صوحِبت بالتعب والإجهاد عمومًا، ولكنه يعمد إلى تأجيلها ما أمكنه هربًا من ألم الكدّ ومشقّته. لعلّ الكثيرين ممن يؤجلون الصّلاة مثلًا يجدون فيها جُهدًا أكثر مما يجدون فيها اللذة والراحة. وأولئك الذين يؤجّلون القيام بواجباتهم المدرسية يهربون في واقع أمرهم من التعب ولا يرون في حلّ الوظائف متعة أو قيمة أو سعادة.
لقد حذّرنا الإمام الباقر عليه السلام بالقول "وإيّاك والتسويف، فإنه بحرٌ يغرق فيه الهلكى". وفي الحديث دلالةٌ على مدى خطورة التسويف وضرورة الخروج منه. فحين يؤجل الإنسان عمل اليوم إلى غده، يُخلّ بعمل الغد حتمًا. وهكذا كلما تكرّر التأجيل ازداد التعطيل، وقلّت أعمال الإنسان كمًّا. وحين لا ينجز الإنسان العمل في ساعته، يظلم نفسه بخنق إمكاناتها. وهكذا كلما تكرّر التعطيل تدنّى مستوى الإتقان لضعف الخبرة، وقلّت أعمال الإنسان كيفًا. وإذا لم يبادر للتخلّص من التسويف فورًا أفسد راحته كما يُفسد عمله. فما أثقل الهمّ الذي ينتابنا حين ننام قبل أن ننجز ما ينبغي أن نسلّمه في صباح الغد. وما أصعب القلق الذي يساورنا حين يأتي وقت الامتحان ونحن لم ندرس جيّدًا. إن ألم التسويف لا يقلّ عن ألم العمل في وقته، ولكنّ المشكلة تكمن في توهمّنا أننا بتأجيل العمل قد ارتحنا، وأن الراحة العاجلة ألذّ رغم أنها سريعة الزوال.
نحتاج إذن إلى تصحيحٍ في الرؤية حتى نتمكّن من البدء بإحداث التغيير المطلوب، في أنفسنا قبل أولادنا. وكما كلّ تعديل في السلوك وتهذيب في النفس، ليس هناك حلول سحريّة للتخلّص من التسويف. نحتاج على صعيدنا الشخصي إلى قوّة عزم وإرادة للتغيير، وهذا يتطلّب قوّة في العقل، وتحكيمًا له في إدارة حياتنا. هذا، بالإضافة إلى مجموعة خطوات عملية يمكن بالالتزام بها، إعانة أولادنا أيضًا على تحمّل المسؤولية وعدم التأجيل.
هذه خمس خطوات عملية للخروج من مأزق التسويف:
1. ‏تقسيم المهمة إلى أجزاء
تبدو بعض المهمات صعبة وضخمة بحيث يشعر المرء أن إنجازها شبه مستحيل! لكن تقسيمها على دفعات يجعل إنجازها أسهل. إذا كان امتحان التاريخ في كل المادة فالمهمة كبيرة وصعبة، لكن تقسيم المادة الى عشرة أقسام، والنظر الى كل قسم على حدة، يجعل المطلوب سهلّا، فاستيعاب درس تاريخ واحد هو ضمن إمكانات أي طالب عمومًا. والأمر نفسه يسري على كتابة بحث جامعي، فتقسيمه وفق هيكلية إلى أهداف مرحلية وإنجاز كل هدف فرعي بنحو مستقل، يجعله ممكنًا بعد أن كان شبه مستحيل. صحيح أن ذلك يستدعي الالتزام بنظام محدّد، لكن نتائجه لذيذة.
ويمكن أن يكون التقسيم وفق الوقت، فالتفرّغ للدرس لمدة ربع ساعة يعقبها خمسة دقائق من الراحة يليها ربع ساعة من الدرس التي يعقبها خمسة دقائق راحة وهكذا، لهو أسهل بكثير من حبس النفس نهارًا كاملًا لدرس كتاب دون برمجة.
ولا بأس بعد إنجاز كلّ قسم من مكافأة صغيرة، خاصة إذا كانت من الوالدين للولد. المكافأة على النجاح الصغير يشجّع على خوض غمار التحدي الذي يليه، وهكذا تزداد الثقة بالقدرة على انجاز أي عمل.
2. إيجاد الحوافز
غالبًا ما تشمل الأعمال التي يشقّ علينا القيام بها أمورًا نجدها مضجرة للغاية.‏ فماذا نفعل إذا كان الواجب لا يستهوينا؟ التفكير في عواقب عدم الفعل يشكّل حافزًا بدرجة معينة؛ خوف الفشل أو الإحراج أو العقاب يدفعنا للعمل ولو على كره. والتفكير في نتائج أداء الفعل يعدّ حافزًا بدرجة أعلى؛ الشعور بالراحة بعد الإنجاز، الحصول على التقدير أو المكافأة دافع جيّد. وإذا استطعنا أن نَعرِفَ ونعرّف أولادنا لماذا يجب علينا القيام بما يجب علينا، فسيكون ذلك أهمّ حافزٍ لعدم التسويف. هذه الأعمال الواجبة تصنع نجاحاتنا في الحياة، تقوّينا، تكمّلنا، تقرّبنا من الله، تحقق لنا السعادة الحقيقية.
3. تحديد الأولويات
التخطيط مريح، يبعث على الهدوء في النفس ويضع الأمور في نصابها الصحيح. إذا تزاحمت الأمور يحسُنُ إعداد لائحة بكل الأعمال المطلوبة: الواجبات الدراسية والمنزلية والاجتماعية وغيرها، ولا بدّ من ترتيبها وفق الأهم وتدوين الوقت الذي سيستغرقه كلّ منها ومتى ننوي البدء به. هذا نحو مفيد آخر من تقسيم الأعمال. قد يحتاجنا أولادنا في تنظيم أمورهم ووضع خطة العمل.
4. إنجاز الأعمال السهلة أولًا
كلّ مهمة يستغرق إنجازها أقلّ من نصف الساعة‏ لا ينبغي تأجيلها مطلقًا،‏ وذلك يشمل تأدية الصلاة، ترتيب الغرفة، تعليق الملابس في أماكنها، جلي الصحون،‏ والكثير من الأعمال التي نراكمها ويراكمها أولادنا ثم نشتّت أمورنا بحجتها. إذا استطعنا أن نحوّل هذا المبدأ إلى جزء من نمط عيشنا ابتعدنا أشواطًا عن روحية التسويف.
‏5. إبعاد المشتّتات
من المهم أن يعلم أفراد الأسرة مِن حولنا بالأعمال المهمة التي نريد إنجازها، ومتى نريد القيام بذلك. بهذه الطريقة لن يتوقّعوا منا تلبيتهم في هذا الوقت، ولن يساهموا في تعطيلنا عن العمل. إبعاد الهاتف النقال جانبًا، إطفاء تنبيهات وسائل التواصل، إبعاد أي مشتتات أخرى أمرٌ لازم لتهيئة الجو المناسب للعمل. ‏قد يحصل أن يخطر ببالنا - نحن أو أبناؤنا- في وسط العمل ترك ما في أيدينا والقيام باتصال هاتفي مثلًا، أو تصفّح موقع للتواصل، أو غير ذلك مما قد يشتّتنا عن هدفنا، يُنصح هنا بدل تلبية هذه النداءات أن نسجّلها في صفحة على دفتر ونستمر في العمل. بعد فترة ستتضح أمامنا لائحةُ المشتتات التي تضيّع وقتنا في العادة. لاحقًا يمكن تخصيص أوقاتٍ للقيام بهذه الأمور بحيث لا تزاحم وقت العمل.
يشكًل مكان العمل كذلك عاملًا مؤثرًا في التركيز أو عدمه. قد يكون المسجد أو المكتبة العامة مكانًا أفضل للدرس بالنسبة لولدك من المنزل. ولربما كانت غرفة المائدة أفضل من غرفة النوم لطفلتك الأصغر. المهم أن نعين أبناءنا على اكتشاف المكان الأنسب لأداء واجباتهم، وهو المكان الخالي من المشتتات الذاتية.

التسويف سلوك مكتسب. قد نكون نحن أحد أسبابه بالنسبة لأولادنا. والمسوّف ليس بالضرورة شخصًا مهمِلًا، إنما هو شخصٌ مشغول بأعمالٍ أخرى لا يُفترضُ أن ينشغل بها. حاولوا قدر المستطاع أن لا تفرضوا على أولادكم أعمالًا لا قيمة فيها لحياتهم.
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

عزة فرحات
باحثة وكاتبة في شؤون الأسرة والمرأة والطفل