هل مطلوب مني إصلاح العالم؟!

البوصلة/ إرشادات تربوية

أمل عبد الله ـ كاتبة
"هل مطلوب مني إصلاح العالم؟!" سأل وسيم أمه التي طلبت منه أن يدع البلايستايشن جانبًا، وينضم الى حملة تنظيف الشاطئ التي ينظمها الكشافة.
كانت أمه تعلم ان الأمر ليس معقدًا كإصلاح العالم، إنّها مجرّد ساعة سيمضيها في التقاط المهملات عن الشاطئ؛ عمل تطوّعي يضيف إلى خبرته في الحياة، ويعود عليه ببعض الثواب، ويعطيها سببًا إضافيًا لتفخر به أمام أقاربها. لكنها عجزت عن إقناعه فلجأت إلى أسلوب أكثر حدّة. وهكذا انصاع وسيم كي لا يُحرم من البلاستايشن، وبالطبع لم تتجاوز المساحة التي نظّفها المتر المربع الواحد!
كثيرًا ما نلجأ للقوّة حين نعجز عن دفع أبنائنا للقيام بما نراه صحيحًا. نرغمهم على الدرس، على زيارة بعض الأقارب، على أكل الطعام الصحي... لكن هل استعمال القوة لإرغامهم على القيام بالعمل التطوعي يحقق الهدف المرجو؟ نعم، قد يتحقق العمل، أما التطوع والإجبار فيقفان على طرفي نقيض.
يمكننا تعريف العمل التطوّعي بأنه عمل غير إلزامي لا يُنتظر منه مردودٌ ماديٌّ. لكن ما الذي يجعل شخصًا يقرّر القيام بعمل من هذا النوع؟ لماذا لا يصرف وقته في عمل مدفوع الأجر أو ربما في ممارسة هواية ما أو في مجرّد الاسترخاء والاستمتاع بصحبة الاصدقاء؟
إذا سألنا اشخاصًا مارسوا أو يمارسون أعمالًا تطوعيّة فإن إجاباتهم ستتمحور غالبًا حول نقطة واحدة: الرغبة في سدّ نقص معيّن لأجل تحقيق تغيير نحو الأفضل. بعبارة أخرى تحويل النقص إلى كمال، فالتوق الى الكمال هو ببساطة ما يدفع هؤلاء للعمل التطوعي.
لكنّ التوق الى الكمال أمر فطري عند جميع البشر، فلمَ إذن لا نجد هذا الاندفاع للتطوع عند الجميع؟ لماذا نجد قلّة قليلة من الناس تبادر للاعمال التطوعية؟
السبب هو أن هؤلاء يشعرون بمسؤولية شخصية تجاه تحقيق هذا الكمال، مسؤولية تحيل ما يراه الآخرون عملًا تطوعيًا إلى عمل من صميم واجباتهم. هؤلاء يشعرون بصدق أنهم مسؤولون عن إصلاح هذا العالم وإيصاله إلى كماله.

على الرغم من التقييم الايجابي الذي يتمتع به طلب الكمال في الثقافات عامة، إلا إن هذا التقييم الايجابي لا ينسحب بالضرورة على طالب الكمال، فيظهر أحيانا في السينما الغربية شخصًا فاقدًا للتوازن النفسي، مهووسًا بتحقيق الكمال حتى على حساب أقرب الناس إليه. أما في مجتمعنا فقد يُنظر للشخص الطالب للكمالات المعنوية، كشخص غير واقعي.
لذا قبل أن نسأل أنفسنا عن استعداد ابنائنا للعمل التطوعي، علينا أن نعرف ما هي صورة طالب الكمال في أذهانهم، وإلى أي مدى نعمل على تعزيز فطرة طلب الكمال عندهم.
هل نحرص على تعريفهم على كل ما هو جميل وعظيم وخيّر، وتمجيده في عيونهم؟ هل نمجّد الطبيعة ونلفتهم الى أدقّ تفاصيلها العامرة بجمال يخاطب حواسهم الخمسة؟ هل نمجّد قيم الخير فيهم وفي الأشخاص من حولهم، وفي عظماء الماضي والحاضر؟ هل نسعى لتعريفهم على هذه النماذج المضيئة؛ النماذج الكاملة المعصومة وتلك التي تسير على درب الكمال؟ هل نحرص على تعريفهم على النتاج الانساني الثقافي الذي يغني أحاسيسهم بكل ما هو راق وجميل؟
ولعلّ ما هو أسوأ من ترك هذه الأمور هو دفع أبنائنا نحو كمالات وهمية يتسبب السعي نحوها بإهمال الكمالات الحقيقية. فيصبح، على سبيل المثال، حرصهم تحصيل أعلى الدرجات المدرسية في مقابل اكتساب المعرفة.
حين نهمل تعزيز هذا التوجّه الفطري عند ابنائنا، سيسهّل عليهم التكيّف مع النقص. حينها ستتراجع قدرتهم على إبصار الجمال بتجلياته المادية والمعنوية وسيكفّون عن افتقاده في حياتهم. وسيصبح القبح، بأشكاله المختلفة، كالضوضاء الرتيبة التي ينجح دماغنا في تجاهلها.
أما حين نحرص على تمجيد الكمال الحقيقي، فإن حساسية شديدة ضد النقص ستشكّل عندهم؛ حساسية تتسبب لهم بألم معنوي يصعب تجاهله، فينطلقون في ساحات العمل.
ستؤلمهم الأمية التي تعيق البعض عن بلوغ كمال في العلم والمعرفة فيتطوعون للتدريس في صفوف محو الأمية.
ستؤلمهم السلاسل التي تقيّد مخيّلة الأطفال وتحول دون نموّهم الفكري الصحيح فيتطوعون لقراءة قصص تحرّر خيالهم وقدرتهم على الخلق والإبداع.
ستؤلمهم الأمراض التي تعيق إعمار هذه الأرض، فيتطوعون لتحسين ظروف البيئة ولرعاية المرضى....كذلك الأمر بالنسبة لمن يتطوعون لانقاذ الغابات والجبال والأنهار، ولمن يتطوعون لإصلاح ذات البين وإحياء المحبة في القلوب.

حين يكون طلب الكمال بالنسبة لأبنائنا قضية شخصية، يصبح العمل التطوّعي نتيجة طبيعية. لكن حين نقوم بشخصنة الكمال، أي نحصره في دائرة متعلقاتهم الشخصية الضيقة، فإنّه يصبح بنظرهم مجرّد مضيعة للوقت. عندها سيكون ردّهم على كل دعوة للعمل التطوعي: "هل مطلوب مني إصلاح العالم؟!"

التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

أمل عبد الله ـ كاتبة
كاتبة للأطفال