غيرة أطفالنا تحت المجهر

البوصلة/ إرشادات تربوية

سارة فرحات - اختصاصية في الإرشاد المدرسي
غالبًا ما يواجه أولياء أمور الأطفال الذين لديهم إخوة، تحدّي التّعامل مع النّزاعات التي تسبّبها الغيرة. والغيرة بين الأخوة هي ظاهرة متكرّرة ومنتشرة، وتنشط بسهولة بين الأطفال الصّغار. وهي مصدر توتّر وقلق كبير للعائلات، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى أنّ الأشقّاء يقضون وقتاً طويلاً معاً، وأيضًا لأنّ مشاكلهم تؤثّر سلبًا على أهاليهم، الذين قد يضطرّون- أحيانًا- إلى عقابهم مكرهين. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تشكّل الغيرة الأخويّة، إذا لم يتمّ حلّها، نتائج سلبيّة على الأطفال؛ كالمشكلات السلوكيّة، التّدنّي في تقدير الذّات، التّنافس، عدم الاستقرار العاطفي، العداء، وغيرها.
في العادة يرغب الأطفال بتملّك كل ما حولهم؛ ابتداءً من حنان الأم ودلالها، وانتهاءً بالتّفاصيل المادّيّة الصّغيرة؛ كالطّعام والألعاب، وما إلى ذلك من أشياء. وغريزة التّملّك هذه قد تولّد الشّعور بالغيرة عند الاحتكاك بالآخرين، خصوصًا بين الإخوة والأشقّاء.
لكن كيف يمكننا التحكّم بغيرة الأطفال والحدّ منها؟ وكيف يمكننا توظيف هذه الغيرة بشكل بنّاء، بحيث تصبح باعثة للعمل والمثابرة، بدلاً من أن تكون مصدرًا للمشاكل والخلافات؟
قبل البدء بالبحث عن أسباب المشكلات وطرق حلّها، هناك حاجات وعناوين أساسيّة يجب أن تكون مؤمَّنة، ومن الضّروري الالتفات إليها:
- أوّلًا: الموضع أو البيئة التي يتواجد فيها الطّفل، والتي يجب أن تكون متوافقةً مع الحدّ الأدنى للمتطلّبات، حيث تتمّ فيها مراعاة الحاجات الأساسيّة الجسديّة والنّفسيّة للطّفل.
- ثانيًا: هناك الأنظمة الواضحة التي يحتاجها الأطفال لمعرفة ما هو متوقّع منهم، حيث يجب وضع أنظمة منطقيّة يسهل اتّباعها، على أن يشترك الطّفل في وضعها عند قدرته على ذلك، ويتمّ شرحها وتأكيدها له، كما وتتمّ مراجعتها بشكل متكرّر.
- ثالثًا: يأتي الثّبات؛ إذ يعتمد التّغيير النّاجح للسّلوك المرفوض على التّصرف الثّابت مع الطّفل للحصول على النّتيجة المرغوبة، فعدم الثّبات في ردّ الفعل يسبب له الإرباك ويزيد من سوء المشكلة.
- رابعًا: من المهم أن نعرف مدى فهم الطّفل للسّلوك؛ إذ علينا التّأكّد من أنّ الطّفل مدرك للسّلوك الذي يقوم به، ويعرف إن كان ملائمًا أو لا؛ فإذا كان غير مدرك بأنّ تصرّفه غير مقبول، يجب الشّرح له مع توضيح أسباب عدم قبول هذا التّصرّف وآثاره السلبية، حيث إنّ أوّل خطوة في التّغيير هي المعرفة. إضافة إلى ذلك، إنّ السّلوك الذي يظهر لمرّات معدودة في ظروف إستثنائيّة لا يعدّ مشكلاً إذا لم يتكرّر باستمرار. قد يكون الحلّ الآني لهذه الظّروف الطّارئة هو تحسين الظّروف نفسها بدون تشخيص مشكلة سلوكيّة مزمنة.
إنّ الطفل بحاجة في السّبع سنوات الأولى من حياته إلى شعوره بأنّه يحتلّ في قلوب والديه مكانًا مهمًّا. وينبغي للوالدين الانتباه إلى هذا الأمر عبر الإصغاء إليه، أخذ مشورته في القضايا العائدة إليه، واحترام رأيه حين يختار. فعلينا الاهتمام بصحّة الولد النّفسيّة في هذه السّنوات الأولى.
كيف نعرف بأنَ طفلنا يعاني من مشاعر الغيرة؟
هنالك العديد من المظاهر السلوكيّة التي قد يمارسها الطّفل وتدلّ على تولّد هذه المشاعر لديه، ومن أهمّ هذه المظاهر ما يلي:
-العدوانيّة؛ حيث يلجأ الطّفل إلى رفع صوته للحصول على ما يريد، وقد يصل الأمر إلى ضرب أشقّائه الآخرين، أو حتّى المولود الجديد، النّكوص والتّراجع إلى مراحل عمريّة سابقة؛ كتبوّل الطّفل على نفسه بعد أن يكون قد تجاوز هذه المرحلة، طلب الأكل مثل أخيه الصّغير، التّكلّم كالأطفال الأصغر منه سنًّا، وغيرها من الأمور التي قد يقوم بها الطّفل ليُشعر والديه بأنّه يحتاج إلى الرّعاية والاهتمام كأخيه أو أخته.
-الانطوائيّة؛ حيث يميل الطّفل الغيور في بعض الأحيان إلى الصّمت والانزواء والابتعاد عن الآخرين.
-تغيّر مزاج الطّفل الذي يصاحبه حالة من قلّة النّوم، فقدان الشّهيّة، نقص الوزن، الصّداع، والشّعور بالتّعب. وقد يتطوّر الأمر إلى حدوث تقيّؤ واضطرابات معويّة.
-البكاء والانفعال والخوف الشّديد؛ فقد يخاف الطّفل مثلاً من الذّهاب إلى الحمّام وحده، أو من الظّلام، أو من الذّهاب إلى المدرسة.
كيف نعالج مشكلة الغيرة عند الطّفل؟
علينا أولاً أن نتجنّب مقارنة الطّفل بأصدقائه أو إخوته، وإظهار نواحي ضعفه وعجزه؛ فالمقارنة تولّد الغيرة بين الإخوة والأصدقاء. وعلينا إبعاده عن مواقف المنافسات غير العادلة. يجب أن نوضّح له بأنّ السّبب في رفض سلوك معيّن هو السّلوك بحدّ ذاته، لما له من آثار سلبيّة، قبل أن يكون بسبب مقارنة مع أحدٍ أفضل؛ إلا إذا كان الهدف تشجيعه على اتّخاذ قدوة معيّنة، فعندها تكون المقارنة في محلّها مع ضرورة توضيح معنى القدوة والهدف من الاقتداء بها. بالإضافة إلى ذلك، علينا أن نعلّم الطّفل، بلغة سهلة، بأنّ هناك فروقًاً فرديّة بين النّاس، وبأنّ الاختلاف أمر طبيعي، ونضرب له الأمثلة على ذلك. كما ويجب أن نزرع في الطّفل حبّ المنافسة الشّريفة، ونخبره بأن الفشل ليس نهاية المطاف؛ بل إنّه قد يساعد في تحقيق نجاح أكبر، مع شرط الاستفادة من أخطائنا السّابقة وعدم تكرارها. من المهمّ كذلك أن نشجّعه على أن يعبّر عن انفعالاته بشكل متّزن، ونشعره بأنّه مقبول لدى أسرته، وبأنّ تفوّق الآخرين عليه لا يعني أنّ ذلك سيقلّل من حبّ الأسرة له، أو يزلزل مكانته فيها. ومن الضّروري، إلى جانب هذه الأمور، أن نعوّده منذ الصّغر على تجنّب الأنانيّة والفرديّة والتّمركز حول الذّات؛ فنوضّح بأنّ له حقوقًا وعليه واجبات، كما ونوضّح له السّلوك الصّحيح من المرفوض، بالإضافة إلى تشجيعه على الانخراط في أنشطة جماعيّة مع أطفال آخرين، كالفرق الرّياضيّة مثلاً.
كيف نهيّئ طفلنا لاستقبال أخيه الجديد؟
قد تنشأ مشكلة الغيرة في مرحلة حمل الأم بالطّفل الجديد، إذ يتولّد لدى بعض الأطفال الشّعور بأنّ حبّ والديهم لهم واهتمامهما بهم قد تحوّل إلى المولود الجديد.
بالحبّ والحنان والوعي يمكن للأسرة أن تتجاوز هذه المشكلة بسهولة، وممّا يساعد على ذلك جعل الوالدين الطّفلَ يشارك في كلّ الاستعدادات اللّازمة لاستقبال المولود الجديد؛ كاختيار ملابس أو احتياجات أو اسم المولود الجديد. وفي هذا المجال ننصح الوالدين عامّة، والأم بشكل خاص، بالالتفات إلى ما يلي:
- الحرص على عدم إلحاق الطّفل بالحضانة أو الرّوضة تزامنًا مع ميلاد الطفل الجديد. وإذا كان الواقع فارضًا لهذا التّزامن، يجب التّمهيد مسبقًا لهذا الأمر حتّى لا يتغيّر روتين الحياة التي اعتادها الطّفل فجأة، أو يظنّ بأنّ أمّه تريد إبعاده، وبالتّالي يفقد شعوره بالأمان والراحة.
- التّحدث مع الطّفل والإجابة عن أسئلته وإخباره بأنّه كان مثل أخيه الصّغير في يوم من الأيّام، ويمكن الاستعانة بالصّور لتقريب الفكرة. ترتيب مكان مستقلّ لنوم الطّفل الأكبر قبل ولادة الأخ الجديد، لأنه إذا كان معتادًا النّوم في حضن أمّه، فسوف ينزعج إذا ما أتى آخر واحتلّ مكانه بعد الولادة.
- إشراك الطّفل في رعاية المولود الجديد؛ مثل إحضار حاجياته وأدواته أو مداعبته واللّعب معه، والمساعدة حين استحمامه، شرط ألا يكون في ذلك أذى لأيٍّ منهما.
- إشعار الطفل بالثّقة؛ كأن نطلب منه مراقبة أخيه، مع مراقبتنا له دون أن يشعر، ثمّ التّحدّث أمام أفراد العائلة عن تعاونه وحبّه لأخيه. الإكثار من ترديد لفظ أخيك وأختك وحبيبك، للتقريب بينهما.
- عدم توبيخ الطّفل الأكبر أو ذمّه إذا ما أظهر غيرته من أخيه، ومن الأفضل تركه يعبّر عن شعوره الحقيقي بدلاً من كبته وإظهاره بطرق غير سليمة. عدم استخدام العنف اللّفظي أو الجسدي أيًّا كانت الظّروف، لأنّه يولّد شعورًا زائدًا بالإحباط ورغبة في الانتقام.
- تخصيص وقت للّعب والحديث مع الطّفل بشكل دوري، فهذا يساعد على طمأنته وإزالة الغيرة من نفسه.
- الثّبات في المعاملة، أي أن نظلّ نتعامل مع الطّفل بالطّريقة عينها التي كنّا نتعامل بها معه قبل حضور المولود الجديد، مما يوضّح للطّفل بأنّ القواعد لا تزال هي نفسها، فنرفع بذلك عنه الشّعور بالقلق والغيرة.
كما يؤكد الإختصاصيون، أنّ: "على الوالدَين أن يكونا شفافَين مع طفلهما، وأن يذكّراه بأنهما يحبّانه، وألا يخبّئا عنه تفاصيل رعايتهما للولد الثاني. فعندما يُبعدانه ويهتمان بهذا الأخير، تزداد غيرته ويشعر أنّ هناك أمرًا سيئًا يحصل. فالحريّ بالأهل إدخال الولد الأول في عالم شقيقه أو شقيقته، عبر جعله يساعد والدَيه بالرّعاية التي يقومان بها، فعليهما أن يشرحا له بطريقةٍ بسيطة ومشجِّعة أنه أصبح أخًا الآن، وتبسيط الأمور هو الأساس في هذه المسألة".
يجدر بالأهل امتلاك الوعي والحكمة في الميزة التي بها يتم ّ التفضيل بين الأبناء، كأن تكون المفاضلة في المعاني الحقيقية؛ مثل الاستجابة لفعل الخير، البرّ بالآخرين، وامتلاك صفة الكرم والصّبر على الأذى. فمن الصّحيح أن يظهر الوالدان الحبّ لطفل أهدى لعبته المحبّبة لآخر مستضعف، في مقابل إخوته الذين يحرصون على أشيائهم. إنّ هذا التفضيل يدفعهم إلى منافسته في هذا الفعل. وألفت النظر إلى أن التّربية الإسلاميّة لا تشترط التّفضيل في هكذا حالة، إلّا إنّها تراه صحيحًا إن حصل. فقد ورد في الروايات أنّ رجلًا سأل أبا الحسن(ع) عن الأب إن كان له بنون أيفضّل أحدهم على الآخر؟ قال(ع): "نعم، لا بأس به، قد كان أبي يفضّلني على عبد الله." (1)
بينما نجد أنّ التفضيل بسبب أمورٍ ليس بمقدرة الطّفل تغييرها، كالمظهر مثلاً، يعبّد الطريق أمام الغيرة والحسد، بدل أن يزرع فيهم التّنافس الإيجابي. عن أمير المؤمنين (ع) أنّه قال: "ما سألت ربّي أولادًا نضر الوجه، ولا سألته ولدًا حسن القامة، ولكن سألت ربّي أولادًا مطيعين لله وجلين منه، حتّى إذا نظرت إليه وهو مطيع لله قرّت عيني." (2)

الأطفال هم في طور تعلّم ما هو مقبول وما هو غير مقبول سلوكيًّا، فمن المفترض أن تستعمل هذه الطّرق الإرشاديّة كأدلّة تساعد الأطفال في عمليّة نُموِّهم الاجتماعي. وعلينا أن لا ننسى بأنّ لكلّ طفل ميزاته الخاصّة، التي تجعله مختلفًا عن غيره، وبأنّ التّربية ليست قواعد ذهبيّة تطبّق مع نجاحٍ مضمونٍ في جميع الحالات. ولنعلمْ بأنّ التّعقّل ثمّ التوكّل على الله- سبحانه وتعالى- في هذه الأمور هو أمرٌ ضروريّ جدًّا.


1.من ‏لا يحضره ‏الفقيه ج : 3 ص: 48
2. بحار الأنوار ج : 101 ص: 9

التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

    مقالات ذات صلة

الكاتب

سارة فرحات - اختصاصية في الإرشاد المدرسي