صناعة الفرح

البوصلة/ إرشادات تربوية

أمل عبد الله ـ كاتبة
بدأت زينة عيد الميلاد تملأ الطرقات. سرعان ما ستنبت في واجهات المحال التجارية غصون خضراء بلاستيكية محمّلة بحبال زينة تسرّ الأعين، وثلج اصطناعي يدوم ويدوم. وسيُسمع رنين مبهج لجرس بابا نويل يدعو الجميع لاستكشاف ما يخبّئه في كيسه الأحمر الكبير، الذي يُفتح فقط لمن يملك النقود. إنها مناسبة جديدة لبيع الفرح!
لا شك ان الثقافة الغربية نجحت باقتدار في تحويل الفرح، تلك الحالة الفطرية، إلى بضاعة لها مواسمها التي تشمل أعياد الميلاد، والحب، والزواج... ونحن، كغالبية سكان هذا الكوكب، بتنا نقف في صف طويل، ننتظر دورنا لشراء هذا الفرح المستورد، غافلين عن أن الفرح الحقيقي إنما هو صناعة محليّة بامتياز.

لكن كيف نصنع أفراحنا وسط ثقافة بات الفرح غريبا عنها بدرجة كبيرة؟ فثقافتنا المثقلة بالمآسي والأحزان والتي تمتدّ جذورها الى زمن الرسول الأكرم، جعلت الفرح في نظر الكثيرين عنصرًا دخيلًا لا ينسجم مع آهاتها ودموعها. وبنتيجة هذا الواقع تشكّلت قناعة بأن الفرح، الذي بات أغلبه بنكهة غربيّة، لم يُخلق لنا أو أننا لسنا من أهله. ومن هذه القناعة تولّدت أسئلة من قبيل هل يصحّ أن نحتفل بعيد ميلاد من نحب؟ أليس في هذا الأمر ترويج للثقافة الغربيّة التي تتربّص شرًّا بقيمنا، وغفلة عن الحرب الناعمة التي تُشنّ علينا في كل لحظة؟

لا شكّ أن هذه الاسئلة ستستوقف الأهل الحريصين على تنشئة أولادهم على القيم الاسلامية الأصيلة. وربما يقرّر بعضهم رفض الأمر مباشرة، خوفًا من أبواب مؤصدة سيفتحها تبنّي هذ العادة الغربية؛ أبواب لا يعرفون ماذا تُخفي وراءها. بالطبع هو خوف له ما يبرّره، فالأمثلة على ضياع الهوية الاسلامية الأصيلة نتيجة الانفتاح العشوائي على عادات الغرب كثيرة. لكن ألا تستحق الفرحة التي نراها في عيون طفل صغير يطفئ شمعته الأولى أن نتأمّل في الأمر برويّة؟ ربما لا يكون الأمر مخيفًا بالدرجة التي نتصوّرها.
ذكرنا أن الموقف السلبي من هذه العادة ناتج بشكل أساسي عن اعتبار الاحتفال بأعياد الميلاد عادة غربية، لكن كون الغرب سبقنا لتبنّي هذه العادة، لا يعني انه احتكرها. لقد سبقنا الغرب الى الفضاء، فهل يدّعي أحد أنّ الفضاء بات ملكيّة غربيّة؟
بالطبع لا مجال للمقارنة بين قمر صناعي وقالب حلوى، ولكن إذا كنّا لا نجد حرجًا في تقليد الغرب في قمر صناعي، لماذا نجد حرجًا في تقليده في قالب حلوى؟ علمًا أن الاجتماع حول قالب حلوى يستبطن من القيم الاسلامية ما لا تستبطنه أقمار العالم الصناعية مجتمعة!
فلنبدأ بقيمة الشكر. أليس احتفاؤنا باِتمام أحبتنا عامًا جديدا من عمرهم، شكرًا لله؟ حين يمنّ الله علينا بصحبة من يؤنسنا في غربتنا، ويدفئ قلوبنا، ويسكّن نفوسنا، ويهوّن علينا مصاعب الحياة، ألا يتوجّب علينا شكره؟ وما هي مظاهر هذا الشكر؟ أليست فعل ما يحبه سبحانه ويحبه رسوله كإدخال السرور على قلب الصغير والكبير، وصلة الرحم، ولقاء الإخوان، وإطعام الطعام، وإفشاء البسمة والسلام، والدعاء من القلوب بعمر عامر بتقوى الله؟ وماذا عن التزيّين والتجمّل والنظافة والترتيب؟ ماذا عن الهدايا؛ "تهادوا تحابّوا"؟ ماذا عن الذكرى الطيبة التي تختزنها الصور ويفوح شذاها المنعش، ولو بعد سنوات؟
إذا استحضرنا كل هذه الامور، لن يبقى احتفاؤنا بأحبّتنا عادة غربيّة. فكيف الحال إذا كان المحتفى به هو إمام زماننا؟ أو الرسول الأكرم وآل البيت الأطهار؟
لكن ماذا يحدث حين لا نستحضر هذه القيم الرائعة؟ ماذا يحدث عندما تصبح هذه الاحتفالات متنفسًا لعقدنا الشخصيّة والقيم الاجتماعيّة المشوّهة التي نعجز عن رفضها لأسباب كثيرة؟
لا شك ان هناك من يرى في هذه المناسبات الجميلة فرصة سانحة للبذخ والإسراف، ونافذة للتباهي والدخول في منافسات عقيمة لا تزيدنا إلّا بعدًا عن الله، وتشييئًا للعلاقة المعنوية التي تربطنا بأحبّتنا، وإدمانًأ على الفرح المعلّب المستورد الذي تنتهي مفاعيله مع إطفاء شموع العيد.
إن اتّباع هذا السلوك لن يحرمنا فحسب من فرحة حقيقية بعيد ميلاد أحبتنا، وإنّما سيؤدي تبنّيه كأسلوب حياة إلى تحويل مناسباتنا الأكثر أصالة كحفلات التكليف ومجالس العزاء إلى عادات غربيّة!

قد يكون الغرب سبقنا بسنوات الى إطلاق التسميات، كعيد الميلاد وعيد الحب وعيد الصداقة... لكن الاسلام سبقه بقرون الى الدعوة للفرح والبهجة. ويبقى لنا أن نلحق نحن بركب الاسلام ونهتدي به؛ كي نتعلّم كيف يكون الفرح صناعة محليّة.


التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

أمل عبد الله ـ كاتبة
كاتبة للأطفال