العنفُ الإعلامي، خَطَرُهُ على أطفالنا وطرق الحدِّ من آثاره

البوصلة/ إرشادات تربوية

فدوى فرحات شمس الدين؛ ماجستير دراسات حول الطفل
نعيش في عالَم تحوَّل إلى قريةٍ واحدة كبيرة، أحداثُها تنتقل بكبسة زرّ. لطالما كان عالمنا مليئًا بأحداثِ عنف؛ ولكن لم يكن مفتوحًا عليها. مشاهدة العنف كانت مقتصرة على الأفراد الذين يعيشون قرب الحدث. أمّا في أيامنا هذه، وبفعل الثَّورة الصِّناعية وما أَنتجتْه من وسائل إعلام وتواصل، أصبح من السّهل أن تشاهد - في لحظة- ما يجري في اليابان وأنت جالس في بيتك في لبنان. أضف إلى ذلك أنّ مصادر المعلومات أصبحت متيسِّرة لكلِّ الأعمار، وفي متناول الصّغير والكبير.

يُعَرَّفُ العنف الإعلامي (media violence) على أنَّه العرض الصّوري لأحداثٍ عدوانيَّة صادرة عن إنسان أو شخصية مشابهة ضدَّ آخر. وقد أثبتَ العلماء أنَّ الأطفال يتأثَّرون بشكل كبير بهذه الظاهرة. الأطفال الذين يشاهدون العنف في وسائل الإعلام هم أكثر عرضة ليكونوا عدوانيّين ومتورِّطين في أعمالٍ غير شرعية، لأنَّ مشاهدتهم للعنف تدفعهم لاتِّخاذ العنف كوسيلة لحلّ المشكلات؛ ففي الصِّغر يعمد الطفل إلى تلقّي كلّ ما يُعرض عليه دون تَصفية، ويميل نحو تقليد ما يراه ويشاهده في التِّلفاز أو الوسائل الإلكترونيّة المختلفة.

في عدّة دراسات، وَجدَ الباحثون أنَّ مشاهدة الأطفال للعنف عبر وسائل الإعلام ينعكسُ على سلوكهم بحيث يصبحون أكثر عنفًا على المدى القصير والطويل.
فكيف يمكنُ الحدُّ من الآثار السَّلبيَّة للعنف الإعلامي على أطفالنا؟
وجد أحدُ الباحثين أنَّه على الرّغم من محاولات الأهل لمراقبة وتقنين متابعة أطفالهم لوسائل الإعلام، فإنَّ معظم هذه المحاولات لم تثمر نجاحًا في أكثر الأحيان. قد يعود السَّبب لعدم اقتصار تعرّض الأطفال لهذه الوسائل على البيت فقط، فهم معرّضون لها في الخارج أيضًا، سواءً أكان ذلك في منازل الأقارب أم الزّملاء.
يلعب الأهل - بلا شكّ - دوراً أساسيًّا في نموّ الأطفال وتنميتِهم. وقد وجد الباحثون أنَّ الأهل يساهمون في نموّ أطفالهم العقليّ ويؤثّرون بشكلٍ كبير على التّفكير الأخلاقي لديهم. ويحصل ذلك بشكل أساسيّ عبر التّواصل الفعّال معهم، وتشجيعهم على التّفكير المنطقي، ويتمّ عبر شرح وتفسير الأحداث من حولهم والسّؤال عنها وتقييمها بما يتناسب مع أعمارهم.
وقد أظهرت دراسة أنّ النّتائج السَّلبيَّة لمشاهدة العنف الإعلامي يمكن أن تُخفَّف عبر التَّدخّل الحواريّ للأهل مع أطفالهم؛ حيث يشكِّل الأهل مصدرًا موثوقًا للطّفل، ولهم دورٌ كبير في تنشئته الاجتماعيَّة.
وجد نايثنسون (Nathanson 2004) في دراسة أجراها لمعرفة مدى تأثير عدَّة أنواع من تدخّلات الأهل الكلاميّة مع أطفالهم حول ما يشاهدونَه من عنف عبر وسائل الإعلام، أنّ تدخّل الأهل الكلاميّ بطريقة وصفيّة (fact explanation) لِما يَجري في الإعلام كان أثره الإيجابيّ أقلّ من التدخّل التّقييمي (media evaluation) لأحداثِ العنفِ الحاصلة. والتّقييم يكون بانتقاد الأفعال السّلبيّة أو الحكم على المضمون الإعلامي. ويزداد أثر هذا النَّوع منَ التَّدخّل إذا قُدِّم بطريقةٍ جذَّابة يكون فيها الطّفل مُشارِكًا في العمليَّة التَّربويّة.
كما ويزدادُ حافز الطّفل للاستجابة لنصائح الأهل وسماع آرائهم إذا شكَّل الأهل مصدر دفءٍ ودعْمٍ وثقةٍ له.

وخلاصة الأمر أنّه من المهمّ بعد السعي لتقليل احتكاك الطفل بمواقف العنف ومَشاهِدِه إلى الحدّ الأدنى المتاح، أن يتحدّث الأهل مع أولادهم حول ما يشاهدونه في وسائل الإعلام وأدوات التّواصل، ويُبيِّنوا زيف معظم المشاهد والبرامج المعروضة (خصوصًا البرامج الكرتونيّة)، ويشرحوا لهم عن النَّتائج السّلبيّة لأعمال العنف، ويُقيّموا ما يجري أمامهم عن طريق رَبطِه بقيمِ الحقّ والباطل والعدل والجور وتعريف المظلوم من الظالم وما يتأتى على هذه المعرفة من تبعات ومسؤوليات.




المصادر الأساسية
Berkowitz, M., & Grych, J. (1998). Fostering Goodness: teaching parents to facilitate children's moral development. Journal of Moral Education,27(3), 371-391. doi:10.1080/0305724980270307
Cheng, T. L., Brenner, R. A., Wright, J. L., Sachs, H. C., Moyer, P., & Rao, M. R. (2004). Children’s violent television viewing: Are parents monitoring? Pediatrics,114(1), 94-99. doi:10.1542/peds.114.1.94
Nathanson, A. I. (2001). Mediation of children’s television viewing: Working toward conceptual clarity and common understanding. Annals of the International Communication Association, 25(1), 115-151.
Nathanson, A. I. (2004). Factual and evaluative approaches to modifying children's responses to violent television. Journal of Communication, 54(2), 321-336.
Smetana, J. G. (1999). The Role of Parents in Moral Development: A social domain analysis. Journal of Moral Education,28(3), 311-321. doi:10.1080/030572499103106


التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

فدوى فرحات شمس الدين؛ ماجستير دراسات حول الطفل