حذار من ...اضطراب نقص الطبيعة

البوصلة/ إرشادات تربوية

د.أميمة عليق ـ أستاذة جامعية؛ اختصاصية في علم النفس التربوي
كلّما ازداد تعلّق الأطفال باللّعب بالهاتف النقّال أو وسائل التكنولوجيا الحديثة، ازدادت مشاكلهم؛ كالخمول والسّمنة وضعف التّركيز، بالإضافة إلى أعراضٍ مشابهة لمرض التّوحد.وقد كثرت شكاوى الأهل لدرجة جعلت مراجعتهم للمراكز الصّحّية، للبحث عن طرق للحلّ، أمرًا مألوفًا.
يعزو الصحافي والكاتب ریتشارد لوف في كتابه الصادر في العام 2005 «آخر طفل في الغابة......أنقذوا أطفالنا من اضطراب نقص الطّبيعة» الأعراضَ التي نلاحظها على أطفالنا، إلى اضطرابٍ يُسمّى نقص الطبيعة، وهو مرض اجتماعي تربوي ناتج عن غربة أطفالنا عن الطّبيعة. فإِنّ أطفال اليوم، بسبب تمسّكهم بالألعاب الالكترونية والهواتف النقّالة، باتوا أقلّ لعبًا في الهواء الطّلق والطّبيعة، وأصبحوا يمضون أوقاتًا أكثر في ساحات اللّعب الافتراضي، مما أدّى إلى حالة انعزالٍ عن الطّبيعة التي هي مصدر للإلهام والتأمّل والتعلم وهذا ما يطلق عليه بالضبط "اضطراب نقص الطبيعة" Nature deficit disorder.
(ملحوظة: لم يتمّ تصنيفه مرضًا حتّى الآن؛ لكن يتمّ التداول به بشدّة في المحافل العلمية لإدراجه ضمن الأمراض النفسيّة الجسدية.)

تتعدّد الأسباب المؤدّية إلى هذا الاضطراب، ومنها: فقدان المناطق الطّبيعية المحيطة بمكان سكن الطّفل وخاصّة في المدينة، وكذلك بعض القيود التي تضعها الحدائق الطّبيعية على الأطفال خوفًا من أن يقوموا بتخريبها،إضافةً إلى القيود التي يضعها الأهل على أبنائهم حيث يمنعونهم من التّواجد في الطّبيعة خوفًا من أن يتأذَّوا. والأهمّ من كلّ هذا قضاء الأطفال للمزيد والمزيد من الوقت في الداخل مع ظهور الكمبيوتر وألعاب الفيديو التي تُعد، واقعًا ، السبب الأساس في ذلك. تشير الإحصاءات إلى أن الطفل الأمريكي العادي ينفق 44 ساعة في الأسبوع مع الوسائط الإلكترونية، فيما تغيب الاحصاءات الدقيقة في بلادنا.
هذا الواقع رفع من منسوب القلق اليوم من أن يدمّر العالم الافتراضي القدرة الإبداعيّة للبشر، خاصّة الأطفال؛ لأنّ تأثير اضطراب نقص الطبيعة على أطفالنا سيكون مشكلة في المستقبل.
وقد أكّدت الأبحاث أنّ عدم الاحتكاك مع الطبيعة يؤدي إلى ازدياد الأعراض التي يعانيها الأطفال المصابون بما يُعرف بـ" قصور الانتباه وفرط الحركة"؛ بينما للتّفاعل مع الطبيعة التأثير المهدّئ لهم، كما ويساعدهم على التركيز والانضباط. ومن الناحية الاجتماعية يؤدّي البعد عن الطّبيعة إلى العدوانيّة وعدم القدرة على التّعاون والمرونة؛في حين يكونُ الاطفالُ أكثرَ ذكاء وقدرة على التوافق وأكثر صحة وسعادة عندما تكون لديهم فرص منتظمة للعب الحر وغير المنظم في الخارج.
بالإضافة إلى ذلك يمكن أن يؤدي اضطراب نقص الطبيعة إلى تعرض الجيل الأول لخطر تدنّي معدّل أعمارهم عمّا كان عليه معدّل أعمار آبائهم. كما وقد تزداد الاضطرابات السلوكية وحالات الاكتئاب . إنها مشكلة لأن الأطفال الذين لا يحصلون على وقت قي الطبيعة، يبدون أكثرَ عرضة لمشاكل القلق والاكتئاب والعجز.
كما يساهم عدم تعرّض الأطفال للضّوء الساطع ،أي ضوء الشمس، إلى ضعفٍ في النّظر بسبب نقص الإشارات الكيميائية التي تؤثر على العين خلال مرحلة النّمو.
أما بالنسبة للبالغين المصابين بأمراض جسدية كضغط الدم أو أمراض الجهاز التنفسي أو اضطرابات نفسية ـ ذهنية مثل الاكتئاب والقلق، فقد يفيدهم التفاعل مع الطبيعة في التخفيف من الأعراض التي تنتابهم جرّاء هذه الأمراض أو الاضطرابات؛ بل وربّما التّعافي منها. إذ تشير أدلة بحثية إلى أن التفاعل مع الطبيعة يمكن أن يقلل من ضغط الدم المرتفع، ويخفف من متاعب الجهاز التنفسي وأمراض القلب والأوعية الدموية، كما ويزيد من نشاط المرء ويُحسن حالته المزاجية.و تفيد هذه الأدلة، أيضًا، بأن من شأن ذلك التفاعل تحسين بعض جوانب الصّحة النّفسية والعقليّة، مثل تخفيف الشعور بالقلق والإرهاق الذهني واستعادة القدرة على الانتباه والتركيز.
وهذا ما تؤكّده الأحاديث الشريفة التي تتحدّث عن التّأثير الإيجابي والأساسي على روح ونفس الانسان:
" النظر إلى الخضرة نشرة" (1)
"النظر إلى الخضرة يسر" (2)
" ومما يزيد في العمر ترك الأذى وتوقير الشّيوخ وصلة الرحم وأن يحترز عن قطع الاشجار الرّطبة إلّا عند الضرورة ..."(3)
"ثلاثة يجلين البصر النّظر إلى الخضرة والنظر إلى الماء الجاري والنظر إلى الوجه الحسن". (4)
بالطبع إن الطبيعة ليست ترياقًا سحريًّا للأمراض، ولكن بمقدورنا عبر التّفاعل معها وتخصيص وقت لذلك، والإحساس بها وتقدير قيمتها، أن نجني ثمار الشعور بأننا أكثر سعادة وصحّة.
لا أحد ينكر أنّ هناك حاجة لأن تصبح العلاقة اليومية مع الطبيعة "جزءًا من نمط حياة صحي". أما التحدّي الحقيقي في هذا الشأن بالنسبة للمستقبل، فهو كيفية حمل مزيد من الأشخاص على توثيق صِلاتهم مع الطبيعة، وأن نعلم كيف نتعامل مع الفوائد الجمة التي وضعها الله لنا في الطبيعة نفسها.
من أهم الأدوات التي يمكن اللجوء إليها في هذا المجال:
المناهج التّعليمية التي تتضمن أنشطة إبداعية تعزّز هذه الصلة ، حيث لا يتحقق ذلك في الأنشطة المماثلة القائمة على المعرفة فقط والتي تزخر بها مناهجنا.
غرس بعض القيم وتقويتها لدى الأطفال منذ الصغر (بالطبع إذا كانت موجودة فينا )،وذلك لمساعدتهم على الشعور بأنهم أكثر قربًا من الطبيعة. وتتمثّل هذه القيم في المفاهيم التالية: "التواصل، العاطفة، الإحساس بالمعنى، والشعور بالرأفة والشفقة، والتفاعل مع الجمال الطبيعي". فقد تمّ إثبات أن الأنشطة المرتبطة بتعزيز هذه القيم تزيد بشكل كبير من الارتباط بالطبيعة،بما لا يُقارن مع مجرّد سير المرء وحيدًا في الطبيعة، أو دخوله في البيئات الحضرية أو احتكاكه بها.كما وتبيّن أن شعور المرء بأنه جزء من الطبيعة يرتبط طرديًّا مع إحساسه بالحيوية والسعادة والرّضا عن الحياة، وكذلك مع شعوره بالانتباه والتيقظ .
مع كل هذه الأدلة نأمل في أن نقتنع أن الطبيعة ليست مجرد شيء لطيف (بالنسبة لنا) - رغم أن لها قيمة هائلة في حد ذاتها - وإنما هي في الأساس مهمة لصحتنا ورفاهيتنا وسعادتنا، وأن ذلك يجب أن ينعكس في منظومتنا التّعليمية، وفي الطريقة التي نتعامل بها مع من يعانون من أمراض جسمانية أو اضطرابات عقلية وذهنية، وفي الطريقة التي نبني بها المنازل، وكذلك في الكيفية التي ننظر من خلالها للمساحات الخضراء الموجودة في مدننا، والسبل التي نحمي بها هذه المناطق أيضًا.
ولا ننسى أن هذه العلاقة متبادلة، فمثلما ثَبتَ أن التفاعل مع الطبيعة مهم بالنسبة لصحّة الإنسان وسعادته، من المؤكد أن ذلك التفاعل نفسه مهمٌ كذلك لحماية الطبيعة والبيئة. فإذا ما كان بمقدورنا مساعدة البشر على التواصل مع الطبيعة، فإن ذلك لن يكون مفيدا بالنسبة إليهم وحدهم، وإنما سيشكل كذلك فائدة عظيمة للطبيعة. أما السبب فإنه كلما زاد عدد من يهتمون بالطبيعة المحيطة بهم، وبقيمتها وتأثيرها الإيجابي على حياتهم، زادت رغبة هؤلاء في حمايتها من الدمار.
لذا وفي ضوء كل ذلك، ألا يتوجب علينا جميعا قضاء المزيد من الوقت في الهواء الطلق للتفاعل مع الطبيعة والاحتكاك بها؟
هنا تأتي النصيحة الوحيدة والأهم والتي يجب التأمل بها بجدية واهتمام:" لنعدْ إلى الطبيعة عبر نشاطات اجتماعية شخصية وأسرية وبعيداً عن كل وسائل التكنولوجيا والتّواصل الاجتماعي كي نعود إلى موطننا الفطري الذي أُبعِدنا عنه قصرًا تحت ضغط ما يسمى بالتقدم، علّنا ننسجم من جديد مع هذا الوجود الذي يحاول، رغم الدّمار الكبير الذي أحدثناه، الاستمرار بالتّسبيح لخالق رحيم وحكيم."


1.عيون أخبار الرضا (ع)، ج2، ص40.
2.صحيفة الامام الرضا عليه السلام، ص 72.
3. بحار الأنوار، ج73، ص 319.
4.كتاب الخصال، ص 92.
المصادر:
1. Marilyn Gardner, "For more children, less time for outdoor play: Busy schedules, less open space, more safety fears, and lure of the Web keep kids inside ", Christian Science Monitor, June 29, 2006.
2. Diane Swanbrow "U.S. children and teens spend more time on academics ", The University Record Online, The University of Michigan. .
3. Stiffler، Lisa (January 6, 2007). "Parents worry about 'nature-deficit disorder' in kids" . Seattle Post-Intelligencer.

التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

صورة
د.أميمة عليق ـ أستاذة جامعية؛ اختصاصية في علم النفس التربوي