تربية وتهذيب أم إساءة معاملة؟!

البوصلة/ إرشادات تربوية

د.ندى بركة ـ طبيبة صحة مدرسية

إنّ إساءة معاملة الطفل هي ممارسة يمكن أن تؤذي صحة الطفل النفسية والجسدية أو تطوّره ونموّه. قد يتعرّض طفل واحد في العائلة لسوء المعاملة، فيما يُعامل الآخرون بطريقة مختلفة. لسوء المعاملة عدّة أشكال: سوء المعاملة العاطفي وهو النوع الأكثر شيوعًا من أنواع سوء المعاملة، ولكن التبليغ عنه أقلّ من التبليغ عن سواه. ويتمثّل بإهمال الطفل من خلال عدم تأمين ما يكفي من الطعام أو الحبّ والحنان. سوء المعاملة الكلاميّ، من خلال الصراخ، والاستهزاء، والتوجّه إلى الطفل بتسميات تحتمل السخرية أو الهتك. سوء المعاملة الجسديّ. إنّ عددًا كبيرًا من الأهل يلجأ إلى ضرب الطفل بهدف تهذيبه. غير أنّ العقاب الجسدي كلّما كان حادًّا وكلّما كثر اللجوء إليه يتسبّب بضرر أكبر لصحة الطفل العاطفية والنفسية. ويتعرّض بعض الأطفال أحيانًا للضرب المبرح إلى حدّ الإصابة بأضرار جسدية مثل الكسور في العظام أو الجروح الخطيرة. سوء المعاملة الجنسي. هو النوع الأكثر إيذاءً ومن أنواع سوء المعاملة. وهو يتمثّل بأن يستغلّ شخص بالغ الطفل جنسيًا. قد يلمس هذا الشخص الطفل عند أعضائه الجنسية، أو يرغم الطفل على لمس أعضائه الجنسية، أو حتى يحاول ولوج الطفل أو النظر إليه عاريًا أو يجعله يشاهد صورًا أو أفلامًا ذات محتوى جنسي وقد يستخدم الإنترنت من أجل هذه الأهداف.
قد يتعرّض الفتيان والفتيات لسوء المعاملة على حدّ سواء. أمّا الشخص الذي يسيء معاملة الطفل فغالبًا ما يكون من الأشخاص الذين يعرفهم الطفل معرفة جيّدة، مثل الأب/ الأم أو الأخ/ الأخت أو العمّ/ العمة أو أيّ شخص آخر من الأقرباء أو أصدقاء العائلة أو الخدم أو حاضني الأطفال أو الجيران أو حتى أشخاص من المؤسسات العاملة مع الأطفال. فالشخص البالغ يستفيد من العلاقة القريبة التي تربطه بالطفل ومن السلطة التي يتمتّع بها عليه. إنّ العائلات التي تشهد سوء المعاملة غالبًا ما تشهد أشكالًا أخرى من أشكال العنف كأن يمارس الأب العنف تجاه الأم. وعددٌ كبير من الأشخاص الذين يمارسون سوء المعاملة هم من الأشخاص الذين تعرّضوا لسوء المعاملة في طفولتهم. وقد يتعرّض الطفل لسوء المعاملة على يد شخص غريب، ولكنّ هذا أقلّ حدوثًا. ففي بعض الحالات، قد يُستغلّ أطفال الشوارع لأهداف جنسيّة على يد أشخاص بالغين حيث يؤدي النشاط السياحي والتطوّر المدنيّ السريع إلى تفكّك الشبكات الاجتماعية التي تحمي الأطفال.
معظم الأشخاص الذين يسيئون معاملة الأطفال هم من الرجال. بعضهم غير ناضج ووحيد ومنعزل وربما يعاني مشكلة إدمان على الكحول أو المخدرات، ولكنّ معظمهم لا تبدو عليهم مظاهر الغرابة، ولا يتصرّفون بشكل غير اعتيادي.
يتأثّر الأطفال بسوء المعاملة بحسب نوع الاستغلال وحدّته. فإذا وجّه أب إلى طفله صفعة عابرة، مع أنّه عادةً أبٌ محبٌّ ومساند، فلن يكون لتلك الصفعة آثارًا سلبيةً كبيرةً وعميقةً، أمّا سوء المعاملة المتكرّر فقد يؤدّي إلى مشكلات حادّة مثل الرضّات أو الجروح والكسور والحروق بالسجائر وفي بعض الحالات قد تصل إلى الموت. الإصابات في الأعضاء التناسلية والحمل والأمراض المنقولة جنسيًّا، كلّها أمور محتملة. كما يظهر عليهم الخوف والعدوانية وقلّة التركيز والاكتئاب والسلوك اللااجتماعي والتبوّل اللاإرادي، وقد يتراجع أداؤهم المدرسي.
ينبغي أن ننتبه إلى أنّ الطفل أو الطفلة يتعرّض لسوء المعاملة الجسدي في الحالات الآتية:
إذا بدا شديد الخوف وابتعد عن الأطفال الآخرين ولم يرغب في اللعب أو كان سلوكه عدوانيًّا أو إذا هرب من المنزل أو من المدرسة. إذا كذب أو سرق. إذا كان أداؤه في المدرسة ضعيفًا. إذا أكثر من البكاء من دون سبب ظاهر. التبوّل في الفراش أيضًا قد يعدّ مؤشّرًا على سوء المعاملة خاصّة إذا حدث عند طفل كان قد وصل إلى السيطرة على التبوّل. إذا صدر عنه سلوك جنسي لا سيما في اللعب، أي إذا لمس أعضاءه الجنسية أو لعب بها في العلن. أو إذا كان يعرف عن الأمور الجنسية أكثر مما يتوقّع منه في عمره. إذا كان يخاف من البالغين في عائلته من دون أيّ سبب واضح. إذا كان لا يثق بالآخرين. إذا أصيب بالتهاب البول بشكل متكرّر، أو إذا شعر بالألم في أثناء التبوّل، أو إذا ظهرت عنده التهابات أو إصابات أخرى في الأعضاء الجنسية. إذا لم يكن تطوّر الطفل ونموّه طبيعيَّين. إذا فقد الوزن من دون أيّ سبب طبّيّ وجيه. إذا مرض بشكل مستمرّ. إذا تصرّف مثل الأطفال الأصغر سنًّا أي إذا تصرّف طفل بعمر ست سنوات كطفل بعمر ثلاث سنوات. إذا حاول إيذاء نفسه. إذا بدا عليه الخمول، وقلّة النشاط.
كثيرًا ما تساعد رسومات الأطفال في التعرّف على احتمال سوء المعاملة. ففي حالة سوء المعاملة الجنسية، كثيرًا ما تظهر في رسومات الأطفال صورًا لأعضاء جنسية وتناسلية.
من الصعب أن نجري مقابلة مع طفل لنعرف ما إذا كان يتعرّض لسوء المعاملة. وأفضل ما يمكن أن نفعله هو أن نطلب من عامل صحّي عنده الخبرة الكافية، أن يتحدّث إلى الطفل. فإذا أمكن، نتّصل باختصاصيين في صحة الأطفال أو أيّ عامل صحّي آخر سبق أن عمل مع الأطفال الذين تعرّضوا لسوء المعاملة. لا ينبغي أن نطرح على الطفل أيّ أسئلة عن سوء المعاملة قبل أن نكون قد بنَينا الصلة معه وكسبنا ثقته. وإذا تطلّب الأمر، نقضي المزيد من الوقت معه. واستعمال الألعاب قد يساعد الطفل ليكون مرتاحًا. علينا أن نتحدّث إلى الطفل بهدوء. نوضح له أنه يستطيع أن يطرح الأسئلة عن أيّ موضوع يريده. نجري المقابلة مع الطفل بحضور والدته أو أيّ شخص بالغ آخر، ونحرص على ألّا يكون هو الذي يحتمل أن يكون أساء معاملة الطفل، بل ليكن شخصًا يثق به الطفل. لا نلقِ الاتهامات أو التهديدات ضدّ أيٍّ كان فقد نرعب الطفل وندفع بالبالغين إلى الاشتباه في نوايانا. ينبغي تصديق الطفل في ما يقوله وعدم لومه. ينبغي طمأنة الطفل وإبعاد مشاعر الذنب عنه، والتعاطف معه. الطفل الذي تعرّض لسوء المعاملة، قد يكون حساسًا جدًّا حيال اللمس الجسدي فنتجنب ذلك قدر الإمكان.
إذا اشتبهنا في سوء المعاملة، فلن تتقبل العائلة هذا الأمر بسهولة، خصوصًا إذا كان الشخص الذي يمارس سوء المعاملة شخصًا مقرّبًا من العائلة. ولا نتّهم أحدًا، بل نصارح العائلة بمخاوفنا، ونشدّد على أنّ صحة الولد ستزداد سوءًا إذا استمرّت سوء المعاملة.
ينبغي أن تكون أولى أولوياتنا صحة الطفل وسلامته. فإذا اشتبهنا في أنّ حياة الطفل في خطر، نحيله فورًا إلى مكان يكون فيه بأمان. قد يكون هذا المكان عند أحد أفراد العائلة، أو عند منظمة تعمل مع الأطفال. نعلّم الطفل كيف يضمن سلامته الشخصية. نشرح له أنّ سوء المعاملة ليس ذنبه، وأنه ليس عليه أن يشعر بالذنب لأنّه تحدّث عن الموضوع.
نتحدّث إلى أفراد العائلة المؤهّلين ونشرح لهم لماذا نشتبه في سوء المعاملة. فكثيرون هم الأهل الذين لا يدركون أنّ تصرّفاتهم قد تكون مؤذية لصحة الطفل إلى هذا الحدّ. وقد نستطيع أن نُحدث تغييرًا في تصرّفاتهم بمجرّد أن نطلعهم على مخاطر تعريض الطفل للضرب أو إهمال حاجاته العاطفية. وغالبًا ما تولد في البيوت حلقة من العنف، فعندما يضرب الأهل أطفالهم، يسيء الأطفال التصرّف أكثر فأكثر، مما يؤدّي إلى ضربهم من جديد.
نشرح للبالغين القلقين أنّ سوء معاملة الطفل هو جرم بالغ الخطورة، أمّا نقل الطفل إلى مكان آمن مثل منزل أحد الأقرباء فقد يكون حلًّا مؤقتًا. في بعض الحالات علينا أن نحيط الشرطة علمًا بالأمر وندع الإجراءات القانونيّة تأخذ مجراها.
يَخِف سوء المعاملة بعد التدخّل ويحتاج لوقت طويل ليزول.
ü علينا أيضًا أن نعلّم الطفل بعض الخطوات التي قد تساعده على منع سوء المعاملة من الحدوث مرّة أخرى: كأن يقول للشخص الذي يسيء معاملته ألّا يلمسه، ويقول ذلك بلهجة حازمة. أن يهرب من الشخص الذي يسيء معاملته، ويذهب إلى شخص بالغ آخر يمكنه أن يحميه. إذا توافر رقم هاتف ندوّنه حيث يمكن أن يجده الطفل بسهولة. نختار صديقًا أو أحد الجيران يمكن أن يذهب الطفل إليه لطلب المساعدة. نساعد الطفل على أن يتعلّم أن يقول "لا".

· في المرحلة التالية نحاول كسب ثقة الطفل عبر قضاء بعض الوقت مع الطفل على انفراد. نظهر الحبّ والحنان للطفل، ولكن نتذكّر أن نكون حذرين بالنسبة إلى اللمس الجسدي، نقول له بعض الجمل المطمئنة مثل أنا أهتمّ لأمرك. أنا أحترمك. أنت شخص جدير بالحبّ. أنت تتمتّع بنقاط قوة كثيرة. جيّد أنك أخبرتني، فالآن يمكننا أن نحرص على ألّا تتأذّى من جديد. معظم البالغين لا يؤذون الأطفال أبدًا. إذا لمسك أحدٌ ما بطريقة لا تعجبك يمكنك أن تقول لا، حتى لو كان ذلك الشخص المعلّم أو الخادمة أو أيًّا يكن.

· ثم نعمل على مساعدة الطفل لكي ينمّي شعورًا إيجابيًّا تجاه نفسه
ü نطمئن الطفل إلى أنّه ليس مسؤولًا عن سوء المعاملة.
ü نخبره عن الجوانب الإيجابية والقوية في سلوكه وعواطفه.
ü نقترح على الطفل أن يقوم بنشاطات يحبّها، مثل اللعب مع الأصدقاء.
ü نساعد الطفل حتى يجد قاسمًا مشتركًا معنا ولكي يعبّر عن مشاعره.
ü نلعب معه ألعابًا تقضي بأن يسمّي الشخص مشاعره وعواطفه.
ü نقرأ له الكتب التي تشغل عواطفه.
ü نتحدّث مع الطفل عن العواطف التي يشعر بها وعن سبب هذا الشعور.
ü نعلّم الطفل طرقًا تساعده في السيطرة على الغضب، مثل أن يلعب بالألعاب إلى أن يهدأ.




المرجع: حيث لا يوجد طبيب نفسي ورشة الموارد العربية
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

د.ندى بركة ـ طبيبة صحة مدرسية