أطفالنا في مواجهة الموت

البوصلة/ إرشادات تربوية

عزة فرحات - باحثة وكاتبة في شؤون الأسرة والمرأة والطفل
الأطفال لا يعنيهم الموت. وهم لا يفكّرون فيه إلّا عندما يُفقِدهم عزيزًا لهم. ومع حضوره المفاجئ تختلف ردود فعل الأولاد على الموت باختلاف أعمارهم، ودرجة قربهم من الميت، وطريقة موته، والدعم الذي يلقونه بعد فقدانه.
وفي كل الأحوال نحن نعلم أن الموت حقّ لا بدّ منه، وأنّ علينا الاستعداد لمواجهة تحدّيه في حياة أطفالنا خاصة أنّنا أبناء مجتمع يعيش الحرب ويواجه أفراده القتل والشهادة.
تعتبر تجربة الموت الأولى دائمًا هي الأصعب.
الأطفال دون السابعة من العمر
الأطفال الصغار، ما دون السادسة، لا يفهمون معنى الموت، لكن إذا كان المتوفّى قريب جدًّا كأحد الوالدين، فسيتأثّر الطفل لزامًا جرّاء فقدانه، وقد يقلّ كلامه وطعامه ويكثر بكاؤه. يحتاج الطفل هنا إلى الرعاية المضاعفة، إلى إظهار المحبة والاحتضان المطَمئِن لا الجزوع، إلى إشغاله بأنشطة بعيدًا عن أجواء الحزن والتفجّع إن وُجدت، وإبقائه مع أشخاص يحبّهم ويحبّونه. ومن المهم أن تبقى صورة الفقيد وذكراه الطيّبة حاضرة بين الأيدي وعلى الألسن، فهذا يسعد الطفل ويهدّئ من روعه. وإذا سأَلَنا عن الميّت متى سيعود نقول أنّه عند الله؛ ونحدّد له شخصًا سيتولّى شؤونه التي كان الميت يتولاها ونقول له "فلان (أو أنا) سيهتم بك الآن".
الأطفال بعمر السابعة وما فوق
مع الأولاد الأكبر سنًّا يجب أن نوضح معنى الموت، وأنّه ليس النهاية، بل انتقال إلى عالم آخر أوسع وأرحب. وقد نحتاج هنا إلى مثل حسّي يقرّب للطفل فهم علاقة الروح بالبدن. قد يمثّل البعض الروح باليد والبدن المادي بالقفّاز. وفي هذه الحالة نقول للطفل أن أرواحنا كانت حيّة قبل أن نولد في هذا العالم (نحرّك أصابعنا)، وعندما ولدنا ارتبطت أرواحنا بأبداننا (نضع يدنا في القفاز ونحرّك أصابعنا)، وعندما يموت الإنسان فإنّ روحه تغادر البدن (نخلع القفاز ونضعه أرضًا باحترام) لتذهب إلى عالم آخر (نحرّك أصابعنا مجدّدًا وكأنّها تطير) وترتبط ببدن يشبه ذلك العالم (نضع يدنا في قفاز آخر ونحرّكها). الروح لا تموت، والبدن يعود إلى أصله.
كيف يتفاعل أطفالنا مع الموت، وكيف نعالج آثاره السلبيّة عليهم؟
يختلف الأولاد في كيفية التعبير عن مشاعرهم تجاه الموت. البعض يميل إلى السؤال وكثرة الكلام. والبعض يلجأ إلى الحزن والبكاء. وقد يُظهر البعض تجاهلًا للأمر. من المهم أن نعرف كمربّين أنّ هذه طرقٌ للتعبير، وأن نتعامل معها جميعًا باحترام: نجيب على الأسئلة، ونقدّر مشاعر الحزن ونبادلها، ونفتح حوارات تُظهر ما يختلج في صدور أولادنا.
أكثر الأولاد يعتقدون أنّ الموت يُصيب كبار السن فقط، فإذا توفّي من هو في مثل عمرهم أو عمر والديهم ينتابهم القلق، ويخافون من احتمال فقدان أحد الوالدين أو احتمال موتهم هم. ولا بدّ في هذه الحال أن يؤكّد المربّون أنّ الموت للصغار حالة نادرة، وأنّ الطبيعي أن يعيش الإنسان عمرًا طويلًا، وأنّ أمامنا الكثير من الأعمال التي سننجزها في حياتنا.
يبالغ بعض الأهل في حديثهم عن الموت فيقولون إن فقيدهم انتقل إلى عالم أجمل بكثير من عالمنا وهو الجنة، وأنه ترك هذه الدنيا البشعة وارتاح، أو أن الله كان يحبه كثيرًا ولذلك أخذه، أو أنه ينام نوما طويلا لن يقوم منه، إلى درجةٍ تثير عند الطفل تساؤلات ومشاعر أكثر تعقيدًا: فإذا كان الانتقال أجمل لماذا نبقى نحن هنا؟ وهل أن الله لا يحبنا حتى أبقانا أحياء؟ وإذا كان الميت مرتاحًا وسعيدًا فلماذا نحزن عليه ونبكيه؟ وقد يتجنب الطفل النوم خوفًا من ألا يستيقظ!
علينا أن نكون واقعيين؛ أن نعترف ونركّز على أن الحياة نعمة عظيمة يجب أن نحافظ عليها وأن نحسن شكرها، وأنّ حزننا على فقداننا للميّت معذورٌ لأننا سنشتاق إلى حضوره بيننا، في الوقت الذي نكون مطمئنين فيه على حاله، لأنه عند ربّ كريم، يكمل حياته وينشغل باهتمامات أخرى.
إذا كان رحيل الميّت سيغيّر حياة الطفل نشرح له كيف ستترتب الأمور من بعد رحيله؛ من سيؤمّن حاجاته التي كان الفقيد يؤمنها. هذا يساهم كثيرًا في طمأنة الطفل وعدم تشابك مشاعره.
متى نُشرك أطفالنا في مراسم تقبل العزاء؟
عند الوفاة، وسواء كانت شهادة أو موتًا طبيعيًا، ننشغل نحن الكبار كثيرًا، إما في زحمة مراسم التعازي أو بكاءً وحزنًا، وعادة ما يُنسى الأولاد في هذه الأوقات الصعبة. من المهم جدًا ها هنا أن نلتفت إلى أولادنا بوعي تام؛ أن نتحدث معهم بهدوء ونشرح لهم أن الأمور بخير وأن ما جرى من الموت هو الأفضل وإن لم ندرك ذلك تحديدًا لأن الله لا يأتي منه إلا الخير. من المناسب كذلك أن نشرك أبناءنا إذا كانوا فوق التاسعة في عزاء الميت ؛ أن نوضّح لهم برنامج تقبّل التعازي بالتفصيل ومراسم "أخذ الأجر" و"الأسبوع"، وأن نحدد لهم أدوارًا خلالها بحسب أعمارهم، أدوارًا تساهم في إخراجهم من حالة الحزن والضيق ولا تبعدهم في الوقت نفسه عن الحدث. لا ينبغي أن يضيع الأولاد في هذه الأوقات.
🔸من المفيد أن نبين لهم أن إقامة العزاء لأبي عبد الله الحسين ع في ذكرى فقيدنا يذكّرنا بأن هناك أناسًا أعظم منا في هذه الحياة قد ماتوا أيضا، وأن الحياة لم تنته. الشوق والحزن لبعض الوقت لا يضرنا.
🔸يحتاج الطفل إلى الوقت ليتعافى. خاصة إذا كان الفقيد أحد الوالدين. ففقدانه يتم. واليتيم هو المنفرد في ضعفٍ، سواء كان بفقدان الأب أو الأم أو المعلم المربّي، بل فقدان كل من كان مؤثرًا ومفيدًا في حياة الطفل ومعيشته هو يتم. وقد قال تعالى {وأما اليتيم فلا تقهر}.
🔸 لا ينبغي في فترة الحزن الأولى أن نتفاجأ مما قد يصدر عن أولادنا. علينا بالصبر وحسن الرعاية والمتابعة. فبعض الفقد إن لم يعالج بشكل صحيح يترك أثره عمرًا بأكمله.
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

عزة فرحات
باحثة وكاتبة في شؤون الأسرة والمرأة والطفل