قصة اسماعيل الذبيح كيف نرويها لأطفالنا؟

البوصلة/ إرشادات تربوية

عزة فرحات - باحثة وكاتبة في شؤون الأسرة والمرأة والطفل
كيف يمكن لنا أن نطرح قصة النبي إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السلام (الذبح والفداء الإلهي له) للأطفال من عمر 5 الى 7 سنوات؟

تمكّننا القصة من نقل الحقائق العميقة والمفاهيم الصعبة إلى الأطفال بأسلوب بسيط ومحبّب. وتقوى من خلال القصة مهارات الانصات والفهم والتحليل عند المستمع، وتتطور مهارة الحوار والسؤال من خلال مناقشة أفكار القصة واستخلاص عبرها، وبذلك تترسخ المفاهيم ويحصل التعلّم.
وتعتبر القصص القرآنية بالنسبة للفرد المسلم أهم القصص على الإطلاق؛ قال تعالى {نحن نقص عليك أحسن القصص...}، فهي تجارب حقيقية امتزجت فيها العقائد الدينية بالمبادئ الأخلاقية وقواعد السلوك الإنساني بأحسن صورة. وأجمل هذه القصص وأحبّها قصص أكمل خلق الله، الأنبياء والمرسلين سلام الله عليهم أجمعين.
ويهتمّ المربّون بمعرفة الأعمار المناسبة لحكاية القصص القرآنية، ففي بعض هذه القصص أحداث ومفاهيم قد لا تكون مناسبة لفئة عمرية معينة. ومما لا شك فيه أن رعاية التدرج في إيصال المطالب العلمية والتربوية مطلوب عند اختيار القصص كما هو الحال في أي تعليمٍ وتربية، ولا يختلف الأمر في هذا المجال بين القصص الدينية وغيرها.
ولأن القصةَ القرآنية ذاتُ أثر مهم في نقل وترسيخ الشعائر والمفاهيم الدينية، يستثمر المربّون المناسبات الدينية على اختلافها لنقل القصص المرتبطة بهذه المناسبات وترسيخ مفاهيمها في أذهان الأطفال بحسب أعمارهم. فيحسُنُ مثلًا في أجواء عيد الأضحى استثمار هذه المناسبة لنقل قصة نبي الله إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السلام والحديث عن الفداء والكبش والتضحية. لكن ما هو العمر المناسب للحديث عن قصة إسماعيل الذبيح؟ وهل نعرض هذه القصة للأطفال ما دون سن السابعة؟
على المربّي أولاً، وقبل أن يسرد قصته، أن يكون مطلعاً بدقة على عدة أمور أهمها:
- الخصائص العمرية للشريحة التي يريد مخاطبتها
- الآيات التي نزلت في القرآن الكريم حول القصة المستهدفة والتفاسير الموثوقة التي تناولتها
- المجريات التاريخية للقصة التي يريد حكايتها والروايات والأحاديث الشريفة التي ذكرت بشأنها
- الأهداف التي يريد تحقيقها من وراء حكايته
ومن المعلوم أنه في السبعة الأولى من عمر الأطفال- مرحلة السيادة واللعب- يكون الإشباع العاطفي أهم حاجة في حياة الطفل، ويلعب الوالدان الدور الأساسي في تأمين هذه العاطفة والمحبة والشعور بالأمن. وينظر الطفل الى والديه على أنهما سبب كل خير يأتيه ومصدر كل سعادة يحصّلها. ولأن الأمان العاطفي والنفسي محوري في هذه المرحلة لا يخوّف الطفل ولا يعاقب في هذه السنوات، فهو غير مسؤول عن تصرفاته. ويربّى على قيم الحُسن والجمال والمحبة والحنان، ويُعرّف على الله بصفات جماله ورأفته وغفاريته، ويُتجنّب التعامل معه بأسلوب العقاب أو التخويف بالعذاب.
وعلى هذا الأساس تهدف حكاية القصص القرآنية لهذه الفئة العمرية إلى غرس محبة الله في قلوب الأطفال، وتشويقهم للذة طاعته والاقتراب منه سبحانه وتعالى.
ولأن حكاية إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السلام (مسألة الذبح تحديدًا) فيها من التخويف والأذى على نفسية الطفل ما قد يكون مرعبًا له، يفضّل عدم اعتماد هذه القصة للأطفال الصغار ما دون السابعة.
نعم يمكن حكايتها للأطفال الأكبر سنًّا، (ما فوق السابعة حيث يكون العقل قد تفتّح، وقدرات الطفل على التحليل والربط تطورت) مع رعاية الأمور الأربعة المذكورة سابقا، وبيان الرمزية المقصودة بذبح الولد دون حصره بظاهره الحسي المادي المخيف، فالمطلوب هو التبشير بالدين لا التنفير! وترسيخ محبة الله لعباده، وبثّ الطمأنينة والأمل في قلوبهم تجاهه سبحانه.
فكما أنه من الخطأ الفادح أن نزرع في قلوب أطفالنا فكرة أن الله يحرق بالنار أو يخنق أو يعذّب من يعصيه، كذلك فإنه لا يأمر الآباء بقطع رؤوس أولادهم الصغار الأبرياء حتمًا، وهو سبحانه الذي أجاب كليمه موسى عليه السلام حين سأله عن أفضل الأعمال عنده بالقول عزّ من قائل: حبّ الأطفال! (1)
وهنا نصل إلى نقطة أخرى ينبغي أن يتعمق فيها المربي، وهي فهم القصة القرآنية جيدًا.
مقاربة لفهم قصة إبراهيم وإسماعيل والذبح
وبصرف النظر عما إذا كانت رؤيا إبراهيم ع تحتاج إلى تعبير وتأويل أو لا، فعند حكايتها للأطفال يجب أن نلفت النظر إلى ما تمثّله تضحية الأب بابنه الوحيد وتضحية الابن بنفسه في سبيل الله، خاصة أن نبي الله إبراهيم كان له من العمر ما يتجاوز الثمانين عاما على رواية، وهو الذي كان ينتظر الولد لسنوات طوال، وأن إسماعيل (ابن الثلاثة عشر عاما) لم يكن أي ولد، بل نبيًّا من أنبياء الله، وأن علاقة الحب بينهما كانت شديدة جدا.
إذًا كان الامتحان الإلهي يتمحور حول بلوغ الإنسان مقام التوحيد في الحب، ومدى استعداد إبراهيم ع للتضحية بأغلى ما عنده حبّاً بالله وطاعة له، ومدى استعداد إسماعيل ع للتضحية بنفسه في سبيل ربه. فإذا ما تحقّق هذا الاستعداد في نفس الإنسان فقد بلغ مقامًا عظيمًا عند الله.
يقول آية الله الحائري الشيرازي رحمة الله عليه تعليقا على تفسير ابن عربي لهذه القصة: عندما يعرض القرآن الكريم قصة إبراهيم عليه السلام فإنه يحكي قصة الإنسانية في الوقت عينه.. إن قصص القرآن هي قصص جميع الناس في كل الأزمنة والأمكنة.. لقد رأى إبراهيم في المنام أنه يذبح ابنه، ويظن الناس أن الأمر بالذبح قد تعطّل واستعيض عنه بالفداء بالكبش، في حين أن الله يقول {وناديناه أن يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا}، فما كان ينبغي أن يُذبَح قد ذُبِح. لم يكن المطلوب أن يراق دم إسماعيل، بل كان الهدف أن يتحرر إبراهيم بانصياعه للأمر الإلهي من جميع الروابط والتعلّقات التي تمظهرت في إسماعيل. وحقًّا يقول القرآن: قد صدّقت الرؤيا! لقد تمّ الذبح. كان الأمر أن يذبح إبراهيم جميع تعلقاته وقد فعل. تحرر إبراهيم. وانعتق إسماعيل من التعلق بالنفس. وأُنجز الأمر الإلهي(2).
يقول تعالى في أواخر هذه القصة في سورة الصافات {وفديناه بذبح عظيم}، وقد قال المفسرون الكثير بشأن هذه الآية، ويمكن للمربّين الكرام الاطلاع على هذه التفسيرات في محلها، لكننا نشير إلى مسألة من اللطيف ذكرها عند حكاية هذه القصة العظيمة للأطفال، وهي أنه ببركة هذا الامتحان الإلهي الذي نجح فيه كلٌّ من إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، ولأنه عظيم عند الله، بات منسكًا من مناسك الحج التي يجب أن يؤديها كل مسلم ليصحّ حجه. وهكذا يذبح المسلمون في كل عام أكثر من مليون أضحية في عيد الأضحى تيمّنًا بذلك الذبح العظيم، فتقدّم لحومها للفقراء والمحتاجين وستبقى. قال تعالى: {وتركنا عليه في الآخرين* سلام على إبراهيم}.


1. المحاسن، ج1، ص293
2. آية الله الحائري الشيرازي رحمة الله عليه(بتصرف) [@haerishirazi]
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

عزة فرحات
باحثة وكاتبة في شؤون الأسرة والمرأة والطفل