سبعة مفاتيح يحتاجها كل أب وأم لتربية ولد أمين

البوصلة/ إرشادات تربوية

عزة فرحات - باحثة وكاتبة في شؤون الأسرة والمرأة والطفل
الأمانة هي أداء الحقوق؛ حق الله وحق الناس وحق النفس، والمحافظة عليها. ليست الأمانة قيمة اجتماعية أو فضيلة أخلاقية فحسب، بل هي فريضة عظيمة حملها الانسان حين عجزت عنها باقي المخلوقات.
لقد عُدّت الأمانة صفة مميزة للأنبياء وأصحاب الرسالات، واعتُبر أداء الأمانة علامة إيمان وخيانة الأمانة علامة نفاق. فالأمين لا يغش، لا يسرق، لا يكذب، لا يفضح، لا يثرثر، لا يخون، ولا يخاف. الأمين وفيٌّ فلا يخلف وعده، ونزيهٌ فلا يقترب من الشبهات، ومخلصٌ فلا يؤذي، ومستقيمٌ فلا يتزلزل أو يتبدّل أو يتلوّن، وكتومٌ فلا يكشف السرّ، وصادقٌ فلا يخالف فعلُه قولَه، وشجاعٌ فلا يحيد عن الحق مهما صعبت الظروف، وازدادت الإغراءات أو التهديدات. وباختصار، الأمين هو شخص يمكنك أن تصدّقه، وتثق به، وتلجأ إليه، وتعتمد عليه.
لا تنحصر الأمانة في مجال خاص فحسب من مجالات حياة الانسان. فالأمانة إنّما تكون في العبادة وفي المعاملة، في الجوارح وفي الودائع، وكما ذكرنا، مع الله ومع الناس ومع النفس. وعليه يمكن اعتبار الأمانة خلاصة مجموعة من القيم والفضائل. فهي الصدق والوفاء والنزاهة والكتمان والشجاعة والمحافظة والاستقامة معًا. فإذا تحقق بهذه القيم إنسانٌ فقد أدى الأمانة ورعاها.
كيف يمكن في ظل هذا التشعب لمظاهر هذه القيمة أن نربي أبناءنا على أداء الأمانة؟ وما هي أهم الإجراءات التي ينبغي على الأهل اتخاذها لتعويد الأبناء عليها وترسيخها في نفوسهم؟
من الواضح بداية أنّه لا يمكن تعليم الأمانة بين ليلة وضحاها. فاكتساب هذه القيمة يحتاج إلى الوقت، وهذا يستدعي الصبر والإصرار والمثابرة. كذلك ينبغي مراعاة المراحل العمرية للأولاد. فالأطفال ما دون السابعة لا قدرة لديهم على اكتساب القيم، لأنّ القيم وليدة العقل وثمرته. والطفل ما دون السابعة لا عقل له. ولهذا ورد في الأحاديث "الولد يلعب سبع سنين". فيقتصر التعليم في هذه السنوات على التعويد والترغيب بالعاطفة والمرح. ومع دخول الطفل السبعة الثانية "يؤدب سبع سنين"، يكون العقل قد بدأ بالتفتح. وعندها يمكن اعتماد التفهيم، وشيئًا فشيئًا المحاسبة والمجازاة. وفي أواخر سنوات هذه المرحلة، وفيما لو تمّ التعليم والتأديب الحسن، يتحقق الولد بهذه القيمة. وإنّ دخوله ساحة التكليف الشرعي وتحمّله المسؤولية أمام الله دليل على قدرته التامة على ذلك. أما ما بعد سن الرابعة عشر، فيختلف دور الأهل ولا يبقى للتربية نفس المفهوم والأثر، لأنّ انفتاح الأبناء على البيئة والمحيط، وتعدّد قنوات الاستفادة ممن ومما حولهم يكون قد بلغ تمامه. فإذا لم يكن الأهل قد أَعمَلوا دورهم في السنوات السابقة، يقلّ تأثيرهم كثيرًا في السنوات اللاحقة.
ووفق هذا المنظار، هذه مفاتيح سبعة تعدّ شروطًا لازمة لكل مربٍّ وراع- سواء كان أبًا أو أمًا وسواء كان المتربي ذكرًا أو أنثى- للتربية على الأمانة:
1. ابدأ منذ الصغر!
تعدّ السنوات الأولى من حياة الطفل مصيرية في بناء مستقبله. قال أمير المؤمنين محدِّثًا ولده الحسن عليهما السلام "إنّما قلب الحَدِث كالأرض الخالية ما ألقي فيها من شيء قبلته، فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبّك". وتزداد أهمية هذه السنوات عندما ندرك أنّها تؤسس للثقة التي يحتاجها الأطفال لتظهر فيهم الأمانة. فحين يستجيب الأهل بشكل صحيح لبكاء الطفل أو ابتسامه، ويتفاعلون إيجابيًّا مع انفعالاته واحتياجاته، فإنّهم يزرعون الثقة بهم في نفسه. وعندما يعلّمونه لاحقًا أن "لا تلمس هذا لأنّه حار" و "لا تقترب من هناك لأنّك قد تقع" تزداد ثقته بهم وإحساسه بالأمان معهم. ومعلوم أنّ الطفل الذي يثق بالآخرين ويأمن إليهم يصبح يسيرًا عليه أن يكون أهلًا للثقة وللأمانة.
2. أنشئ علاقة وطيدة مع ولدك!
يتأثّر الطفل كثيرًا بمن يحب ويحترم. عامل طفلك باحترام ومحبة وسيكون لك تبعًا. الأطفال ملوك التقليد! فإذا كانت المحبة متينة صار الطفل يدك المطيعة وأُذُنَك الواعية. ولا يخفى أنّ ولدك عندما يشبع عاطفيًّا ويعلم أنّه محبوب من قبل أهله لن يكذب للتملص من أخطائه، ولن يطمع فيما ليس له ليشعر بالثقة، ولن يخون فلانًا لكسب رضا آخر. الطفل المطمئن عاطفيًّا يعرف كيف يكون أمينًا.
3. أمّن بيئة ملائمة!
تحدّث عن قيمة الأمانة وكم يحبها الله. اسرد قصصًا وأمثلة عنها. عندما تمجّد الأسرة الأمانة وتؤديها، وتُذكّر بها وتعين عليها، فمن المرجح أن ينشأ الأبناء أمينين. شجع السلوك الأمين وحذّر مما يخالفه. حدد عواقب واضحة لعدم الالتزام بالمسؤوليات أو عدم أداء الحقوق. اشرح لماذا هذا مسموح وذلك ممنوع ليتمكن الطفل من الالتزام. يحتاج الطفل أن يعرف لماذا ينبغي عليه أن يفعل ما يجب فعله. واحرص على أن يختار ولدك الأصدقاء المناسبين، الذين يحملون نفس القيم المرغوبة.
4. تجنّب تهيئة أرضية الخيانة!
لا تلاحق ولدك بأسئلتك بحيث تضطره للكذب خوفًا أو تهرّبًا. لا تستجوبه أو تُرق ماء وجهه فيضطر إلى الإنكار أو الخيانة. ذكّر الطفل وتجاوز عن هفواته، صحِّح كلامه ولا تُعِنه على المراوغة. لا تلجأ أنت إلى الكذب لتبرر إهمال أو خطأ ولدك أمام الآخرين. علّم ولدك أنّ الصدق مهما كان هو المقبول؛ إنّ استحقاق درجة جيد في مسابقة أفضل بكثير من درجة ممتاز ينالها بالغش ليكسب رضاك.
5. كن القدوة
كن داعيًا بغير لسانك؛ التزم أنت بالقوانين: صلِّ أول الوقت، تأكد من حلّية ما تأكل أسرتك، لا تتجاوز حدّ السرعة، لا ترم النفايات من نافذة السيارة، لا تتلفظ بكلمات نابية، اعتذر عند الخطأ، فِ بوعدك بل لا تعد إلا بما يمكنك أن تفيه، احذر المزاح غير الصادق؛ فليس هناك شيء اسمه كذبة بيضاء. احترم خصوصية ولدك ولا تجعل أغراضه مستباحة لك؛ ما له له وما لك لك وإن كانت المشاركة رائعة. إنّها اليوميات التفصيلية الصغيرة التي ينتبه لها الأولاد. كن على بيّنة من أنّ ما يلحظه أولادك منك هو ما تريدهم أن يتعلموه. كن أمينًا بالفعل؛ هذا خير تعليم تقدّمه لأولادك!
6. أعطِ الطفل الفرصة للتطبيق!
كل الاطفال يحتاجون إلى الفرص التي يثبتون فيها أنّهم يؤدون الأمانة. كلّف أولادك ببعض الوظائف والمسؤوليات. ابدأ من الأعمال الصغيرة والمهام البسيطة كتحضير سفرة الطعام أو إيصال غرض، ثم تدرّج بالمهام نحو الأصعب ككتمان سرّ أو الاحتفاظ بوديعة، وذلك بحسب عمر الولد. وتذكّر؛ ينبغي أن تكون هذه الوظائف بمثابة الفرص لا العقوبات، فرصًا لترسيخ المبادئ لا لإصدار الأحكام. إذا أخطأ الطفل مرة، صحِّح. وإن أعاد الكرة لا تعتبر أنّها صارت عادة. ذكِّر، فالأطفال ينسون.
7. امتحن الطفل!
أشرك طفلك في اختيار الأعمال ووضع قوانين إنجازها وتحديد عواقب إهمالها. هذا يرفع من مستوى تحمّله للمسؤولية.
اختبر ابنك بنحو غير مباشر. لا ينبغي للطفل أن يأخذ ما ليس له مهما كان، حتى ولو كان قطعة نقود بقيمة خمسمئة ليرة. اترك نقودًا في أماكن مختلفة من المنزل كل مرة. إذا لاحظت أنّ ولدك يأخذ النقود، اشرح له بحرص ومحبة معنى الخيانة. إذا لم يمد يده عليها، اثنِ على فعل ولدك، وليس على ولدك نفسه. يحتاج الطفل إلى هكذا دعم لكي تترسخ سلوكياته الحسنة.

ختامًا، وبالرغم من أنّنا لا نملك نتيجة التربية، يؤكّد الخبراء أنّ الأهل الذين يربّون أولادًا أمينين هم الذين توقّعوا من أبنائهم الأمانة منذ البداية. ثق بأولادك، فمن المؤمّل أن تثمر ثقتك القيم المطلوبة.

التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

عزة فرحات
باحثة وكاتبة في شؤون الأسرة والمرأة والطفل