ما هي الشخصيّة التي يُتوقّع من المدرسة أن تصنعها؟

البوصلة/ أساسيّات وركائز

السيد عباس نور الدين - مفكر وكاتب إسلامي
إذا كانت سنوات التواجد في المدرسة تمتد إلى السنة الثامنة عشرة، فلنا أن نسأل عمّا يمكن أن يحقّقه الإنسان من بداية حياته وحتى هذا العمر، وعن الدور الذي يمكن أن تؤدّيه المدرسة النموذجية التي تؤمن بقدرات الإنسان الواقعيّة والأهداف المرجوّة.
وفق الرؤية الاسلاميّة حول هدف الحياة، فإنّ ما يمكن أن يبلغه الإنسان من كمال لا يتوقّف عند مدة زمنية محدّدة بقدر ما يرتبط بالتحوّل المعنويّ والروحيّ. ويحدث التحوّل المعنويّ بلحظة واحدة أو على مدى الحياة. ودور المدرسة الأكبر يكمن في سعيها لتأمين البيئة المناسبة لحدوث هذا التحوّل.
إنّ أساس هذا التحوّل أو النضج المعنويّ هو انبعاث الفطرة وصيرورتها محرّكًا أساسيًّا لسعي الإنسان ونشاطاته المختلفة وخصوصًا العلميّ منها. وبمقدار ما يقوى حضور الفطرة ويشتد، فالمؤمّل أن تتسارع حركة الانسان نحو كماله المنشود. وذلك لأنّ الفطرة الإلهيّة هي عشق الكمال المطلق والاندفاع نحوه. وكل مساعي الإنسان الاختياريّة إنّما تنبعث من شوقه وعشقه. فما لم يعشق الإنسان شيئًا ويشتاق إليه يصعب أن يتحرّك نحوه.
الخبر الجيّد هو أنّ الفطرة أمرٌ ذاتيّ تقتضيه خلقة الإنسان وهي تنمو لوحدها بمجرّد أن يتفاعل صاحبها مع مظاهر الكمال في حياته. وبمقدار ما يحصل هذا التفاعل تتسارع وتيرة نموّ التوجّهات الفطرية وتتسارع معها حركته نحو كماله المنشود.
أمّا الخبر السيّئ فهو أنّ البيئة العلمية والاجتماعية التي يعيش فيها معظم الناس تخلط كثيرًا بين مظاهر الكمال والنقص وتجعل التمييز بينهما أمرًا صعبًا. كثيرة هي الأمور القبيحة التي يتم تغليفها بقالب الجمال، وكثيرة هي الأمور المعيبة التي تُقدّم بصورة حسنة، وهذا ما يعطّل على الفطرة انبعاثها أو نموّها. ولا يمكن في مثل هذه البيئة إنقاذ الفطرة إلّا بحضور قوّة أخرى تقدر على تمييز النقص عن الكمال والقبح عن الحسن، وهذه القوّة هي العقل. وبفضل العقل يتعرّف الإنسان على المظاهر الواقعيّة للكمال وتتحقّق فرصة مواجهة مظاهره وانبعاث محرّك التكامل.
لهذا يُتوقّع من المدرسة النموذجية أن تعمل بشكلٍ أساسيّ على صيانة العقل وتقويته لترسيخ قواعد بناء الشخصيّة التكامليّة؛ ومثل هذه المدرسة ستستفيد من جميع المجالات العلميّة وقضايا العلوم على طريق تقويّة البعد العقلانيّ، ولا تعرض المعارف والمهارات التحليلية في الرياضيات والفيزياء والكيمياء وغيرها من المواد في إطارٍ جاف لا ربط له بجوهر العقل ودوره المحوريّ.
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

    مقالات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نور الدين ـ مفكر وكاتب إسلامي