كيف نربي أولادنا على ثقافة الانتظار؟

البوصلة/ أساسيّات وركائز

عزة فرحات

الانتظار حالة نفسية تظهر بالسلوك.. فكيف يكون حالك إذا كنت تنتظر زيارة شخصٍ عظيم محبوبٍ عندك؟ كيف تستعدّ للقائه؟ كم مرة تنظر في المرآة وأنت تنتظر وصوله، وتعيد تسوية شكلك وهندامك على أحسن ما يحب، وتدور في أرجاء بيتك لتتأكد من حسن ترتيبه وجهوزيته، وتنظر من نافذتك لتستشرف إطلالته؟ هكذا هو حال المنتظِر المُحِبّ لعزيزٍ على قلبه، فكيف ينبغي أن يكون انتظار المؤمن لمجيء إمام زمانه؟
قال رسول الله ص "أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج"، وعدّ الانتظار عملًا لِمَا قد يتبادر في أذهاننا من أنه مجرّد حالة نفسية عاطفية يمكن أن يعيشها المنتظِر دون أن تتجلى واقعًا معاشًا في حياته.
ولا شكّ أن استحضار المؤمن لمعنى وجود الإمام المعصوم في حياته، وإدراكه لفظاعة عدم قدرته على الوصول إليه والتواصل معه وهو حيٌّ يعيش في زمانه، ومعرفته بأنه ربما يكون سببًا من أسباب غيبته، سيكون له أكبر الأثر على سلوكه وسعيه وأولوياته، فالعلم يدعو للعمل، ولذلك يقول الإمام الخامنئي دام ظله "الانتظار عملٌ لا بطالةٌ. ليس الانتظار إهمالاً وقعودًا إلى أن تصلح الأمور بنفسها. الانتظار حركةٌ واستعدادٌ."
ولا نبالغ إذا قلنا إن انتظار الفرج أهم صفة للإنسان المؤمن في زمن الغيبة. وهو يشكّل قيمة جوهرية ينبغي أن نربّي عليها أنفسنا وأهلينا حتى تستقيم حياتنا في هذا الزمن الصعب.
لكن ما معنى انتظار الفرج؟ وكيف نربّي أبناءنا على ثقافة الانتظار؟
الانتظار هو إيمان بالمستقبل؛ الإنسان المنتظِر مؤمنٌ بالمستقبل، مستبشرٌ به. من ناحيةٍ يؤمن أن الحياة الآخرة أفضل من الحياة الدنيا وأوسع وأرحب وأكمل وأسعد، وهو يهيّئ نفسه للانتقال إليها بفوز ونجاح. وهو ينتظر من ناحية ثانية مستقبلًا مشرقًا حتميًّا في هذه الدنيا، حيث يخرج إمام زمانه الحيّ الغائب، ويقيم فيها دولة العدل الكبرى، وينتصر فيها المستضعفون والمظلومون عبر التاريخ، ويكون لأهل الحق فيها سيادتهم، وهي نهاية سعيدة للتاريخ يؤمن بها المنتظِر بخلاف ما تطرحه التيارات الفكرية الأخرى من نهايات عبثية أو قاتمة. ومن ناحية ثالثة فالإنسان المنتظر مستبشرٌ بالخير دومًا، وهو لا يعرف معنى اليأس والإحباط على صعيده الشخصي، لأنه مؤمنٌ بأن كل طريقٍ مسدود قابلٌ للفتح، ويتوقّع الفرج عند كل معضلة، ويؤمّل غدًا أفضل مع كل صعوبة. وهذا هو معنى الانتظار.
هذه النظرة الإيجابية للمستقبل بمعانيه الثلاثة المذكورة يصاحبها في المقلب الآخر معرفةً دقيقة بالواقع الحاضر، وتشخيصًا صحيحًا لتحدّياته، وخوضًا فعّالًا لغمارها. وغير خافٍ أن انتظار الفرج يصدق إذا كان الإنسان يعيش في الشدّة والضيق والكرب، وإلا فما معنى الانتظار؟ ومن أي شيء يكون الفرج؟ المنتظِر إذًا ليس راض عن واقعه ما دام إمامه غائبًا ينتظر، وهو توّاق للتمهيد لظهوره لأنه يعرف معنى قيام دولته.
بعد التأمل الدقيق فيما سبق يمكننا طرح السؤال التالي: كيف يمكننا أن نكون منتظرين حقًا وكيف نربّي أبناءً منتظرين لإمام زمانهم؟
لقد قيل ويقال الكثير في أهمية معرفة الإمام ومنزلته عند الله، وكثرة ذكره سلام الله عليه، والدعاء له، وزيارته، والتصدّق عنه، وإظهار المودة له في إقامة الشعائر وإحياء المناسبات، وإشراك الأطفال في ذلك كله، وهي كلها أمور مهمة ولازمة، لكن هذه المقالة تسعى للإضاءة على بعض الصفات التربوية المهمة الأخرى، والتي ينبغي أن تتوفّر في كل أسرة صالحة:
الحرص على الناس
طوال زمن الغيبة كان هناك أفرادٌ صالحون وكمّل، لكنّ يبدو أن خروج الإمام المهدي ليس مرهونًا بوجود أفراد صالحين مهما كان عددهم كثيرًا. يتطلّب خروج الإمام وجود مجتمع صالح ممهِّد، يتعاضد أبناؤه فيما بينهم، ويتوقون فيه للقيم والأهداف ذاتها، وتكون قلوبهم مجتمعة كما عرّفنا الإمام المهدي (ع) "وَلَوْ أَنَّ أَشْيَاعَنَا وَفَّقَهُمُ اللَّهُ لِطَاعَتِهِ عَلَى اجْتِمَاعٍ مِنَ الْقُلُوبِ فِي الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ عَلَيْهِمْ لَمَا تَأَخَّرَ عَنْهُمُ الْيُمْنُ بِلِقَائِنَا.." وبما أن المجتمع الصالح رهينٌ بصلاح أنظمته ومؤسساته، وهذا رهين بصلاح نظام الأسرة ومؤسستها، فإننا بأمسّ الحاجة إلى الأسرة الصالحة المنتظِرة.
دوام التفكير بالمستقبل
الأسرة المنتظِرة تتحدّث عن قضايا المستقبل (يوم القيامة والظهور والغد الآتي) وتسعى لتحديد وضعها ودورها فيها. فيما يتعلّق بالارتباط بإمام الزمان تحديدًا، يعرف المنتظِر أن الإمام الحجة بحاجة إلى الطاقات والكفاءات التي تمهّد لظهوره وتتولى المسؤوليات في دولته العالمية، ويسأل نفسه عن الدور الذي يمكن أن يقدّمه هو في هذا المجال، ويعدّ بالتالي نفسه له.
يشهد الواقع وللأسف أن الكثيرين يعيشون حياتهم دون استشعار الحاجة إلى وجود صاحب الزمان(ع). يذكّرنا بعض الشهداء في وصاياهم بحرقة المنتظِرين، ويشوّقنا بعض الأولياء في كلماتهم إلى الارتباط الواعي بالإمام وزمن ظهوره. ويسأل الإنسان المنتظِر نفسه على الدوام: لو أنني وُفِّقتُ للقاء الإمام؛ ما الذي سوف أبثّه له من هموم وغموم؟ وأية نصرة له سوف أضعها بين يديه؟
هل يمكن أن يكتشف الواحد منّا أن علاقته بالإمام محصورة بتحقيق أمنياته الشخصية فقط فيجعل الإمام في خدمته في حين أنّ حقيقة الارتباط تكمن في جعل أنفسنا في خدمة الإمام وتحت تصرّفه؟ تحتاج المسألة إلى مراجعة ذاتية معمّقة، ولا شكّ أن خير الإمام ورحمته تشملنا في أي حال لكنّ النصرة تتطلّب مستويات عالية من المعرفة والتقوى والإخلاص. الإمام ينتظر أنصارًا أقوياء واعين لمشروعه. ولذلك علينا أن نربّي أنفسنا وأولادنا على معرفة مشروع إصلاح العالم الذي سيحقّقه إمام الزمان بخروجه؛ وعلى إعداد أنفسنا بقوة للمساهمة فيه.
العالمية
الإنسان المنتظِر لا يستغرق في جزئيات حياته الفردية ومسائله الشخصية؛ إنه صاحب همومٍ عالمية. الإنسان الذي يحصر همومه بشؤونه فقط ليس منتظرًا للإمام. الشخص الذي يقلع شجرة في الجبل ويزرع شجرة في حديقته بعيدٌ عن ثقافة الانتظار. الذي يهتمّ بتنظيف منزله ولا يبالي بالقذارة والقمامة على الشارع بعيدٌ عن الانتظار. من لا يغتمّ لأحوال قريته أو مدينته ولا يبالي بهموم بلده وقضاياه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والبيئية والعسكرية مقصّرٌ في انتظاره. ورد في الأحاديث أنه من أصبح وأمسى ولم يهتمّ بأمور المسلمين فليس بمسلم؛ فما بالنا بأمور الحجّة القائم الذي هو خليفة الله في أرضه ومحقّق العدالة في كل أقطارها؟ إن التمحور حول النفس أضرّ ما يكون بالمجتمع، والإمام ينتظر مجتمعًا صالحًا ليخرج، لا يكفي الأفراد الصالحون.
الانتظار يُخرِج الإنسان من بيته إلى العالم. فإذا استطعنا أن نربّي جيلًا لا يعيش همّ نفسه ومستقبله الخاص، بل يهتمّ بمستقبل بلده والعالم فهذه ثقافةُ انتظارٍ.
بذل كامل الوسع
لن يخرج الإمام ليحقق أمرًا يستطيع البشر أن يحققوه بأنفسهم، بل سيأتي سلام الله عليه ليحقّق ما يفوق قدراتنا. ولذلك فإنّ كل خير يمكن أن نصل إليه في عصرنا الحالي هو مسؤوليتنا، سواء كان ذلك متعلّقًا بمحاربة الفساد أو ترشيد الاستهلاك أو الحفاظ على البيئة أو إقامة العدل أو بثّ قيم الجمال في دائرة علاقاتنا ومحيطنا وبلدنا والعالم. وعندما نستفرغ وسعنا في هذا السبيل وندرك عجزنا عن تحقيق المزيد مما نصبو إليه، لا عن تقصير أو فساد، يتحقق انتظارنا الصادق للفرج.
وبالتأمل في بعض المجتمعات البشرية اليوم وما توصّلت إليه على صعيد التقدّم أو العدالة الاجتماعية، ندرك كم هي كثيرةٌ المحطات والمراحل التي تفصلنا عن دولة الإمام عليه السلام.
لا ترتبط التغيرات المطلوبة بالزمان والمكان بقدر ما هي متعلقة بطي المجتمع الصالح لمراحل الوعي والتوق إلى العدالة. ومع التفاتنا إلى عدم وجود طفرة في التاريخ كم ستكون مسؤوليتنا كبيرة؟ وأين يصير مجتمعنا من مجتمع العدل والظهور، وأنفسنا من صفات الأنصار والممهدين؟

يقول أهل الله إن المؤمن المنتظِر يتوقّع الظهور عند كل صباح، فرحمة الله أوسع من أية حسابات ومعادلات. وهذا ما ينبغي أن نربي عليه أنفسنا وأولادنا، لكن هذا الرجاء يثبت صدقه بحسن قيامنا بمسؤولياتنا، وإلا فقد يظهر الإمام ولا نجد أنفسنا والعياذ بالله في زمرته.
ويتحمّل الأهل والمربّون مسؤولية صناعة البيئة الممهدة لهذا الوعي في دوائر تأثيرهم؛ في الأسرة والمدرسة وغيرها من النوادي والساحات. ولأن قلوب الأطفال تستقبل كل ما يلقى فيها، يتّخذ كل عنصر في صناعة هذه البيئة أهمية ملحوظة حتى لو كان مجرد تلقين، فدوام ذكر الإمام وحمل اسمه وحكاية قصته والحديث عن دولته وإحياء ذكرى ولادته والوقوف عند الدعاء بالفرج له وتأجيج المشاعر الإيجابية تجاه العلاقة به بكافة صورها هي أعمال في غاية الأهمية في التربية.
لا يستوي ظهور الإمام وغيبته. نحن في خسران وحرمان بغيبة إمامنا عنّا، لكن هذا الابتلاء العظيم هو فرصة عظيمة أيضًا إذا اغتنمنا مجرياته لتربية أنفسنا جنودًا وأنصارًا على خطى التمهيد لعلّ عناية الإمام تشملنا ويأخذ بأيدينا. اللهم عجّل فرجه واجعلنا معه.
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

عزة فرحات
باحثة وكاتبة في شؤون الأسرة والمرأة والطفل