الواجبات المنزليّة: بينَ الواجبِ والمستحبِّ والمكروهِ والحرام!

البوصلة/ أساسيّات وركائز

أ. فضل الموسوي
- " انّو يعني فاتحِين مدرسة تانية بالبيت، بين أنا وبيّو والاستاذ الخصوصي، ويا ريت بالكاد مخلصِين"،"والله صرت اكره ولادي ويكرهوني لأجل الدّرس والفروض"، "هيدا "الويك اند" ما فينا نضهر فيه عشان امتحانات الاولاد"،"صريخي كل يوم بيوصل للجيران ليخلصوا الاولاد درسهم"،"ما بخافوا الله هالمعلمات! كل هالفروض ليوم واحد! شو ما عنّا شي بحياتنا غير الإنكليزي والرّياضيّات!"
- "الاولاد ما عم يدرسوا"،"الأهل مش مهتمّين، والأمّ ما فاضية لولادها"،"الأمّهات شو عندهم شي أهم من إنّو يدَرسُوا ولادهن ويهتمّوا فيهن!"،"إذا الأم مش مهتمّة أنا ليش بدّي اهكل همّ"،"الأهل مدلْعِين ولادهم كتير هالأيّام"،"الأهل ما بيعرفوا يدَرسُوا ولادهم"،"الأهل بدّن ولادن يتفوّقوا من دون ما يتَعْبُوا حالُن بشي!"
هذه الاتّهامات، وغيرها الكثير، ما ننفكّ نسمعها كلّ يوم، قصف متبادل على جبهتَيِ المعلِّم- المدرسة من جهة، والتلميذ- الأهل من جهة أخرى. كلٌ منهما يعالج الموضوع من زاويته الخاصّة، ونحن- بطبيعة الحال- نتمتْرَس في موضعٍ ما بين هاتين الجبهتين؛ لكن كيف يمكن أن نعالج هذا الموضوع، ومن أيَّة زاوية، ووفق أيَّة مقاربة؟
من البَدَهِيّ الافتراض أنَّ مشكلة الفروض، الواجبات، والأعمال المنزليّة (مصطلحات لنفس الموضوع) لا تُقارَبُ تربويًّا من ساحة الاشتباك هذه؛ فتوقّعات الأهل من المدرسة، وتوقّعات المدرسة من الأهل- على أهميّتها- ليست سوى ناتجِ المشهد المسرحيّ؛ بينما الكواليس في مكانٍ آخر، كما سنُلاحظ بعد قليل.
ينزلق بعضُهم، في استجابتِه لصراخِ الأهل والمدرسة، إلى ردودِ فعلٍ سريعة، وربّما غير علميّة، أو غير مدروسة؛ كأن يذهب إلى بحث الواجبات المنزليّة من زاويةِ تخفيف العبء عن التّلامذة والأهل، أو العكس عندما يُصرّ على تحميل الأهل مسؤوليّة متابعة أبنائهم على المستوى الدّراسيّ، ولو على حساب أيّ شيءٍ آخر.
ونجد بعضهم يسارع- في محاولةٍ لمعالجة هذه المشكلة- إلى اعتماد حلولٍ ترقيعيّة؛ مثل إعطاء النّاظر دور الرّقابة على كمِّ الواجبات المنزليّة، وذلك بتفويضه إلغاء أو تأجيل بعضها بحسب أهميّة الموادّ؛ بينما يذهب بعضهم الآخر إلى قوننة الواجبات عبرَ تنظيم أوقاتها وكميّاتها وِفقَ الحلقات والموادّ، وسرعان ما يذهب القانون وتعود الممارسات إلى حقيقتها، و"ترجع حليمة لعادتها القديمة". وهناك من يستثمر الموضوع بطريقة مختلفة؛ فـ"الترند" التربويّ- اليوم- يروّج لإلغاء الواجبات، فيجاري الجوَّ الإعلاميّ ليذهب إلى الإلغاء الكامل، ويتفاخر بذلك بوصفه تقدّمًا تربويًّا، وقيمة تربويّة مضافة دون أيَّة دراسات أو متابعة لأثر مثل هذا القرار.
إنَّ أيّ بحثٍ جدّيّ حول الواجبات المنزليّة لا يمكن أن يتمّ بمعزلٍ عن نقاش المنهج. ولو أردنا أن نوضّح العلاقة بين المنهج والواجبات المنزليّة، لقلنا إنّ الواجبات المنزليّة هي "سلفي" المنهج. أجل، إلى هذه الدّرجة يوجد ربطٌ عضويّ بين الواجبات المنزليّة والمقاربة التّربويّة الّتي يعتمدها المنهج. لذلك لا يمكننا الحديث فجأة عن تخفيف الواجبات المنزليّة ونحن نعتمد "مقاربة المحتوى" أو"مقاربة الأهداف" في مناهجنا.. ونحن نعتمد مناهج محشوَّة، حتّى الآذان، بالتّفاصيل والجزئيّات والمعارف، مناهج لا يكفيها الوقت المخصّص لها بأي شكلٍ من الأشكال. وهنا تتفتّق عبقريّة مهندسي المناهج حين يتعاملون مع وقت المتعلّم في المنزل كجزءٍ لا يتجزّأ من تحقيق أهداف المنهج. فلتوزّعِ المهام والجهود! للمعلّم مهمة الشّرح وللمتعلّم وأهله مهمّة التحقّق من فهم الهدف، ومهمّة تثبيت الفهم؛ حلّ عبقري يستثمر وقت المتعلّم في المنزل ليكون مكمّلاً لجهود التّعليم المدرسيّة، ولا ريب- ساعتئذٍ- سيصرخ الأهالي:"البيت ليس مدرسةً ثانية!."
يتشارك المشتغلون في التّربية والتّعليم مبدأً أساسيًّا معروفًا للجميع وهو:"لا ننتقل إلى هدفٍ جديدٍ دون التّحقّق من اكتساب المتعلّمين للهدف السّابق." تخيّلوا معي أعزّائي كيف يمكن للمعلِّمِ الذي يعلّم ثلاثين متعلّمًا في منهج يحتاج لضعف عدد السّاعات المخصّص له، أن يتأكّد من تحقّق كلّ هدف قبل الانتقال إلى هدف جديد. ولو أراد تطبيق هذا المبدأ البدهيّ، فغالب الظّن- والحال كذلك- أنّه لن يتمكّن من إنجاز نصف الخطّة المطلوب منه إنجازها، ومن هنا يضطّر المعلّم أن يرميَ هذه الأثقال على كاهل المتعلِّم وأهلِه.
في المقابل، يطرح بعض التّربويين- باستهجانٍ- الأسئلة الآتية:"هل المطلوب- إذاً- أن لا يكون هناك واجبات؟ وماذا يفعل المتعلّم- في هذه الحالة- في وقت فراغه الكبير في المنزل؟ هل نتركه ليستغرق أكثر في الألعاب الالكترونيّة والتّلفاز وغيرها من وسائل التّلهية؟ على الأقلّ الدرس مفيد له أكثر من هذه الأمور والمشتّتات؟!"
طبعًا، لا تُحلّ الأمور على طريقة "أبيض، أسود"؛ فعدم استثمار بعض الأهالي لأوقات أبنائهم بعد الظهر، لا يجوز أن يتحوّل إلى مطيّة لبعض التّربويّين لزيادة الواجبات المنزليّة، وهنا نوضّح بعض القواعد الأساسيّة التي يجب الإلتزام بها كي لا نضيّع بوصلتنا التربويّة، وكي لا يهتزّ سمت ميزاننا التّربوي:
العلاقة الإيجابيّة العاطفيّة بين الأهل والابن هي أولويّة على كلّ ما عداها، وحكمًا هي أولويّة على الواجبات المدرسيّة والدّرس والمدرسة. أجل، لا تستغربوا! فنحن نرى، كلّ يومٍ، كيف يضيّع الأهل علاقتهم بأبنائهم- وهي قضيّة على جانب كبير من الأهميّة (تتّصل بتأثيرهم على كل مفاصل حياة أبنائهم)- بسبب قضيّة فرعيّة جانبيّة؛ فمثلًا، بعض الأمّهات مستعدّات للذّهاب بعيدًا في ملاحقة أبنائهنّ من أجل علامة هنا أو علامتين هناك. وبعضهنّ مستعدّات للذّهاب إلى المدرسة والتّشاجر مع المعلّمة من أجل نصف علامة، وتحرق أعصابها وتحرّض ولدها على المدرسة والمعلّم. هذا ليس خيالًا أو مبالغة! هذه وقائع أشاهدها يوميًّا أثناء متابعاتي. في إحدى المرّات وقف والد فتاة معترضًا على نتيجة تحكيم مباراة بين التّلامذة؛ ابنته حلّت في المرتبة الثّانية، وكانت سعيدة بالنّتيجة المشرّفة؛أمّا هو فلم ترضه النّتيجة، فابنته ظُلمت ويجب أن تكون الأولى. اعترض أمام الجميع، وعلا صوته، ابنته بدأت بالبكاء، شعرت بأنّها خذلته، رغم أنّها ضمن الثّلاثة الأوَائل، كانت تبكي لأنّها وجدتْه غير راضٍ، فهو يريدها الأولى. الفارق بين الأولى والثانية في هذه المباراة كان علامة واحدة. لم يكن لديه مشكلة في إفساد فرحة ابنته، وذلك فقط لأنّها حصّلت مرتبة أقلّ من توقّعاته بعلامة واحدة! إذًا، توقّعات الأهل من أبنائهم وضغوطهم عليهم في هذا الاتجاه يُعدّ مشكلة أيضًا.
في المقابل نجد أنّ بعض التربويّين والمتخصّصين المتقوقعين، أو من أحبّ أن أسمّيَهم بالتّقنيّين، يظنّون أنّ الكون كلّه متمحورٌ حول مادّتهم وأهدافهم، فيستصغرون كلّ نشاط آخر يمكن أن يؤدّيَه التّلميذ، طالما أنّه خارج مادّتهم. حجم الغلوّ والتطرّف الذي يذهبون إليه، يكاد لا يُصدّق. هم لا يرون في التّلميذ أيّ بعد آخر غير مادّتهم الدّراسيّة، إلى حدٍّ لا يعترفون أبدًا بالأبعاد الأخرى؛ بل ويهزؤون بها، لاسيّما إذا كانوا من المتخصّصين في موادّ العلوم والرّياضيّات واللّغات الأجنبيّة. ومن الطّريف أن أذكر هنا أنّ معظم هؤلاء (في معظم المدارس) ينظرون إلى التّلامذة بنظرة الشّكّ، ويتّهمونهم بأنّهم لا يدرسون. عجيبة فعلًا هذه الفجوة بين الطّرفين. مشكلة هؤلاء التّقنيّين أنّهم في العمق ليسوا تربويّين. التّربية تنظر إلى توازن شخصيّة المتعلِّم بحسب مراحل نموِّه المختلفة؛ بينما هم ينظرون إلى المتعلّم من شرنقة المادّة التّعليميّة. ومع الأسف، تدعم وجهة نظرهم هذه، وتعزّز من قوّة طرحهم، ثقافة مجتمعيّة خاطئة تنظر إلى تعليم اللّغة الأجنبيّة والعلوم على أنّه أكثر أهمّيّة- ربّما- من تعليم القرآن الكريم، على سبيل المثال لا الحصر.
المربّي ليس تقنيّ مادّة تعليميّة! المربّي لا يفترض أن يغفل عن حاجات المتربّي في كلّ الأبعاد؛ الحاجات الحقيقيّة وليس الحاجات المتوهَّمة. ويجب أن يدرك أولويّات هذه الحاجات بحسب المرحلة العمريّة، وبحسب الظّروف الاجتماعيّة للمتربّي. ثقافتنا الدّينيّة وتراثنا التربويّ يضجّ بالإشارات الواضحة- التي لا لبس فيها- حول هذه الحاجات، وحول كيفيّة تقسيم وقت الإنسان وفق هذه الحاجات، وحول أولويّات القضايا وموقع كلٍّ منها في رؤيتنا التّربويّة: "اجتهدوا في أن يكون زمانكم أربع ساعات؛ ساعة لمناجاة الله، وساعة لأمر المعاش، وساعة لمعاشرة الإخوان والثقات الّذين يُعرِّفونكم عيوبَكم ويُخلِصون لكم في الباطن، وساعة تخلون فيها للذّاتكم في غير محرَّمٍ وبهذه الساعة تقدرون على الثّلاث ساعات." (الإمام الكاظم (ع))
إنّ مسألة التّوازن في تربية الشّخصيّة منذ الصّغر، وعدم طغيان بُعد من أبعاد التّربية على الآخر، لهو أمر في غاية الأهمّيّة؛ فمن الخطورة بمكان أن نضمرَ في شخصيّة طلّابنا الأبعاد الانفعاليّة، الوجدانيّة، والأبعاد الاجتماعيّة من تراحُمٍ وتزاور، ونركن لتخريج شخصيّات معقّدة هشة، لا تعرف شيئًا أبعد من معارف المادّة العلميّة، وليس لها أيّة مبادرات أو تجارب اجتماعيّة. وكم نلتقي بمثل هؤلاء الأخوة في حياتنا ونتحسّر من أجلهم كيف أنّهم حُرموا من أبسط حاجاتهم وحقوق أنفسهم وأبدانهم؛ مثل حاجة التّرويح عن النّفس، على سبيل المثال لا الحصر:"رَوِّحوا القلوبَ ساعة بعد ساعة، فإنّ القلوب إذا كلّت عميَت."
من ناحيةٍ أخرى، يحاول بعضهم بحث الواجبات والفروض المنزليّة من زاوية تأثيرها على التّحصيل الدّراسي، وبناءً على ذلك يحدّد موقفه من قضيّة الواجبات المنزليّة. طبعًا نحن نعترض مسبقًا على هذه المقاربة، وقد أوضحنا في المقطع السّابق أنّ التّحصيل الدّراسيّ ليس هو لبّ القضيّة الّتي يجب أن نصرف عليها كلّ جهودنا، ووقت أبنائنا؛ بل المهمّ توازن شخصيّة الطفل، لذلك دعونا ننضج زاوية المعالجة أكثر، ونقول:"هل يمكن للواجبات المدرسيّة أن تحسّن من تعلّم أبنائنا، ومن دون أن تمسّ بالنّموّ المتوازن لهم؟"
من المفارقات الغريبة التي لاحظتها مؤخّرًا في هذه النقطة تحديدًا هو التبدّل في المزاج البحثيّ، فيما يخصّ الرّبط بين ساعات الدرس ونتائج التحصيل المدرسيّ. فبعدما كان قد ساد لسنوات عديدة تصوّر عند شريحة لا بأس بها من الباحثين مفاده أنّ تخفيف عدد ساعات الواجبات المنزليّة يساهم في رفع مستوى التّحصيل، أو على الأقلّ لا يضرّ بالتّحصيل، وذلك بتأثير من أبحاث كوبر ونتائج اختبارات التيمس العالميّة TIMS. وإذا كان كوبر(Cooper,2006) قد أثّر بالباحثين، فإنّ نتائج فنلندا الّتي حلّت الأولى في اختبارات التيمس قد أثّرت بعموم المجتمع التربويّ، كون فنلندا مشهورة بسياسة تخفيف الواجبات المنزليّة التي تقّل فيها عن 2.8 ساعة في الأسبوع في الصّفّ الأوّل ثانوي. سرت نتائج فنلندا كالنّار في الهشيم، فكيف لدولة تكاد لا تعتمد الواجبات المنزليّة أن يحصد تلامذتها المرتبة الأولى عالميًا. لكن سرعان ما تبدّدت هذه الظّاهرة، لتعكسها تمامًا نتائج سنغافورة لعام 2015 في اختبارات TIMSS & PIRLS، والتي تشير إلى وجود علاقة بين زيادة عدد ساعات العمل المنزلي والتّحصيل الدراسي. حيث حلّ تلامذة سنغافورة في المرتبة الأولى عالميًّا للمرّة الثانية على التوالي، بمعدّل درس ما بين 12 إلى 15 ساعة أسبوعيًّا. وهذا يردّنا مجدّداً إلى الفكرة التي أشرنا إليها سابقًا، وهي أنّ الواجبات المنزليّة ترتبط بالنّظام التّعليمي؛ فالنّظام التّعليمي في فنلندا يقوم على أسس مختلفة عن النّظام السّنغافوري، وبالتّالي يجب أن تكون الواجبات المنزليّة منسجمة مع النّظام المعتمد، عِلمًا أنّ كلا البلدين نجحا في تحقيق المراتب الأولى عالميًّا على مستوى التّحصيل في الرّياضيّات والعلوم. هذا يقودنا للاستنتاج أن اقتباس أفكار هجينة من نظام معيّن، وإلصاقها على نظام آخر لا يعطي نتيجة؛ بينما انسجام عناصر النّظام وتكامله، على سلبيّاته ربّما، قد يقود إلى تحقيق نتائج أفضل.
إذًا، لا يحسم البحث العلمي، والدّراسات ذات الصّلة، العلاقة بين الواجبات المنزليّة والتّحصيل، وهنا يمكن أن نطرح سؤالًا أوسع من التّحصيل، وهو: "ما هي الفوائد التي يجنيها المتعلّم من الواجب المنزليّ، وضمن أي معايير أو شروط، وهل يمكن بحث مسألة الواجبات المنزلية بمعزل عن الفئة العمريّة والحلقة، أم أنّ هناك تمايزًا بينها؟ وهل الواجبات المنزليّة كلّها من نوع واحد، أم من أنواع متعدّدة؟ وهل لهذه الأنواع تأثيرات مختلفة على المتعلّم؟"

تُجمع الدراسات أنّ طبيعة المرحلة الثانويّة تحتاج لساعات دراسة في المنزل أكثر ممّا هي عليه في التعليم الأساسيّ، وهذا مُجمَعٌ عليه بغضّ النّظر عن الاختلاف في كمّ هذه الساعات بين نظام وآخر. على مستوى الحلقة الأولى- أيضًا- نجد أنّ مجموعة لا يُستهان بها من الدول والأنظمة التعليميّة قد ألغت الواجبات المنزليّة تمامًا (أو خفّضتها لمعدّل ساعة في الأسبوع)؛ مثل فنلندا، الصين، كوريا الجنوبية، اليابان، إيران وغيرها الكثير. والسبب وراء هذا الإجراء واضح، ألا وهو التركيز على البعد التربويّ وليس التّعليمي في هذه الحلقة تحديدًا، وإفساح الوقت في المنزل للّعب والعلاقة الإيجابيّة مع الأهل. هذا يدل على أنّه لا يمكن الحديث عن الواجبات المنزليّة بشكل معزول عن الحلقة التعليميّة، وطبيعة التّوجّه التّربويّ بشأنها، وطبيعة المتربّي الذي نريد أن نعمل على تنشئته.
أمّا على مستوى نوع الواجب المنزليّ أو الهدف منه، فنجد تنوّعًا في أهداف هذا الواجب. وبغضّ النّظر عن مسمّياتها في الأدبيّات التربويّة ذات الصلة، إلا أنّه يمكننا الإشارة إلى ما يأتي:الأعمّ الأغلب من الواجبات يندرج تحت تطبيق الأهداف الجديدة التي يتعلّمها، أو تعزيز وتعميق فهمه لها، يليه الواجب الإبداعي حيث يُطلب من التّلميذ دمج عدّة مفاهيم في واجبٍ طويل الأمد، غالبًأ ما يكون بمثابة مشروع. وهنا نجد الأهالي- قبل الأبناء- على الإنترنت يجمعون المصادر لأولادهم، أو تجدهم في محلّات الإنترنت يشترون مشروعًا منجزًا. والنّوع الثّالث من الواجبات يكون أقرب إلى التّحضير المسبق للدّرس، واستخدام هذا النّوع قليل نسبيًّا؛ إلّا أنّ التكنولوجيا قد سهّلت بشكل كبير إمكانيّة اعتماده من خلال استراتيجيّة الصف المعكوس Flipped classroom التي تعتمد على حضور الشرح في المنزل وحل التّمارين في الصّف. النوع الرابع والأخير، هو الواجب الإلحاقيّ أو المضاف، ونقصد به الواجب الذي يتطلّب توظيف معارفه التي اكتسبها، في وضعيّات جديدة، أو إضافة معطى جديد وشخصيّ على الهدف، وهذا النوع هو من الأقلّ استعمالاً. لا تبيّن الدراسات علاقة واضحة بين نوع الواجب المنزلي والتّحصيل؛ ولكنّها تشير إلى أنّ الواجب المنزليّ لا يفترض به أن يكتفي بمحاكاة مراحل الحفظ والفهم والتّطبيق، كما هو الحال الآن؛ بل يجب أن يتعدى ذلك إلى التحليل والتركيب والتقييم، وهو ما يسمح بمعالجة معمّقة للهدف، ويترك تأثيره الواضح على المتعلّم.
وفي الحقيقة يمكن الحدّ بشكل كبير من مشاكل الفروض المنزليّة، إذا ما استطعنا أن نخرجها من طابعها الحالي الممقوت من المتعلّمين، ونحوّلها إلى أنشطةِ تعلّمٍ ذات معنى، مرتبطة بسياق اجتماعيّ أو ثقافي، كي تعزّز من انخراط المتعلِّمين في الأنشطة الاجتماعيّة، على أن تتوفّر فيها الشّروط الآتية:
- لا يجب أن يعطيَ المعلّمُ الفرض من أجل الفرض، فالفرض ليس وجبة يوميّة يجب أن يتناولها التلميذ؛ بل هو تقدير لحاجة محدّدة، مع اتّباع سياسة التّخفيف ما أمكن، حتى يحافظ على القيمة المنتظَرَة منه، ويتعامل معه التلامذة بجديّة.
- لو أعدنا تصنيف أنواع الواجبات من زاوية وتيرتها، لأمكن لنا تصنيفها تحت نوعين:
الواجبات اليوميّة الرّوتينيّة والواجبات طويلة الأمد إذا صحّ التعبير. الواجبات اليوميّة تركّز على مراجعة الدروس اليوميّة، وعلى تعزيز تعلّم الأهداف، وهي أقرب ما تكون للتقييم التكويني (تقييم يهدف لمعرفة إذا ما تحقق الهدف أو لا، وليس عليه علامة)؛ بينما الواجبات طويلة الأمد تكون عادة من نوع مشاريع، وتهدف لتنمية مهارات التقصّي، التّحليل، كتابة التقارير أو الموضوعات، وإعداد العروض التّقديميّة وغيرها.
بالنّسبة للواجبات اليوميّة، يُستحسن أن يخفّف المعلّم من الوقت المطلوب لإنجازها ما أمكن، فالوتيرة شبه اليوميّة لمثل هذه الواجبات- على أهميّتها- لا تتحمّل أن تكون متعبة وطويلة، وكذلك يفضل أن لا يكون عليها علامات. أمّا الواجبات الطويلة، فيكون هناك معايير واضحة لتصحيحها وتقييمها وعرضها، ويُخصّص لها الوقت الكافي لتقديم التّغذية الصّفيّة الراجعة حولها، فضلًا عن المتابعة المستمرة لها من قبل المعلّم للوصول بها إلى الخواتيم المرجوّة.
ـ في الكثير من الأحيان لا يميّز المعلّم في الواجبات المنزليّة بين مستويات التلامذة، فالواجب نفسه للجميع، وهو ما يهدر فرصًا مهمّة بالنسبة لبعض المتعلّمين، فالمتفوّقون يحقّ لهم تمييزهم بأنشطة إثرائيّة، والمتأخّرون يُستحبّ تمييزهم بأسئلة أبسط من تلك المخصّصة لزملائهم.
ـ من الأهميّة بمكان أن يسعى المعلّم ليكون الفرض جاذبًا، لاسيّما في الواجبات الطّويلة المدى، وأن يكون قابلًا للحلّ من قبل المتعلّم، بحيث تكون كل موارده متوفّرة، فضلًا عن ربطه بسياق اجتماعيّ ثقافي أو أخلاقي أو قضيّة رائجة إعلاميًّا، وذلك لتحفيز المتعلّم أكثر، ولجعله منخرطًا في العمليّة التّعليميّة بشكلٍ أفضل.
ـ هذا وتعزّز التغذية الراجعة التي يقدّمها المعلّم على واجبات المتعلّم المنزليّة، موقع وأهميّة هذه الواجبات في أعين تلامذتهم. فكلّما تمتعت التغذية الراجعة بالدقّة كلما خدمت أكثر وعادت بالفائدة على التلميذ. لذلك يجب على المعلّمين التحقّق من حلّ المتعلمين للفرض المطلوب، والاهتمام بتصحيحه بشكل جماعيّ، وثنائيّ وفرديّ، وعندها يصبح له مكانة خاصّة في هرم أولويّات المتعّلّم، لجهة تعزيز تعلّمهم وتحسين تحصيلهم الدّراسي.
بالنسبة للأهل يمكن التوجّه ببعض النّصائح التي تحوّل الواجب المنزلي من عبء إلى فرصة، أو على الأقلّ تخفّف من آثاره السلبيّة. فتنظيم أوقات الدرس، مكان الدرس، وأجواء الدرس، والتحفيز والمكافاة ستسمح للطلاب بالانغماس أكثر في التعلّم. من المهمّ أن نعوّد أبناءنا منذ الصّغر على إدارة عمليّة تعلّمهم بمفردهم، وبشكل تدريجيّ بطبيعة الحال، ليقتصر دورهم لاحقًا- فقط- على التّوجيه والتّوضيح. أمّا التصحيح والتسميع، فمن المهم أن يصبح ذاتيًّا تحت إشراف وليّ الأمر، وهذا ما يعزّز منحى التعلّم الذّاتي. ومن المفيد للأهالي التركيز على التعزيز الداخليّ لدى أبنائهم أكثر من الخارجي، أي التركيز على ربط الدراسة بالهدف من الدراسة ومن المدرسة؛ بل وربطها بالدّور المستقبلي المنتظر منهم، وربطها بمفهوم التكليف الذي يتطوّر وفق كلّ مرحلة.
ومن غير المناسب، أبدًا، أهلنا الأعزاء أن تتذمّروا أمام أولادكم من الواجبات المنزليّة مهما كانت ملاحظاتكم عليها، أو أن توهّنوا بالمعلّم أو المدرسة- لا سمح الله- لأنّ ذلك سيؤثّر سلبًا، وخاصّة على ثقة ولدكم بالمدرسة، واحترامه لها، وجديّته في التّعامل مع الواجبات المطلوبة منه مستقبلًا.
إن متابعة أولياء الأمور لواجبات الأبناء وفق القواعد التي ذكرناها أعلاه، سيكون مفيدًا لجهة انغماس الأهل ومشاركتهم في مشروع تعلّم ولدهم، وسيسمح لهم بتشكيل فكرة وافية عن تقدّم ولدهم وأخطائه ومستواه الحقيقي، وبالتالي يمكن لهم التّواصل مع المدرسة بطريقة أفضل والتّعاون مع المعنيّين لحلّ هذه المشاكل التعليميّة.
كخلاصة، نستنتج ممّا تقدّم أن الواجبات المنزليّة تتأثّر بشكل كبير بالنّظام التعليمي المعتمد، كما تتأثّر بنوعيّة الواجب المنزلي، ومدّته، وطريقة تصحيح المعلّم له، وبمدى ملاءمته للمرحلة العمريّة، وبمدى مساهمة المعلّم في تحويل غرفة الصّف من مكانٍ لشرح المفاهيم، إلى مختبرٍ للكشف عن الأسئلة التي تولّدت لدى المتعلّمين جرّاء مشاهدتهم شروحات المفاهيم قبل الصّف. ولو فرضنا أنّ تطوير المناهج يحتاج إلى وقت طويل وجهود عديدة، فيمكن عندئذٍ القيام بخطوات سريعة من قبيل التّخفيف من غلوّ المواد التعليميّة، وتنسيق موارد المواد ومقاطعتها، ومراعاة المعايير التي تحدّثنا عنها أعلاه، وهو ما لا يحتاج إلى جهود استثنائيّة. كما يمكننا إطلاق يد المعلّم قليلًا في تقدير حاجة المتعلّمين، وترييح العمليّة التعليميّة، وهو ما سينعكس ارتياحًا لدى الجميع معلّمين وطلابًا وأولياء أمور، وسيمنحهم فرصة لالتقاط أنفاسهم، علمًا أنّ الحلّ الجذريّ لا يكون إلا بمقاربة جديدة ترتّب الأولويات التربويّة وملامح المترّبي الذي تريد أن تعمل عليه.

التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

صورة
أ. فضل الموسوي
أستاذ جامعي ومدير التدريب في مدارس المهدي (ع)