التلفاز تهديد أم أداة ترفيه؟

البوصلة/ أساسيّات وركائز

عزة فرحات
يقال إن الأطفال يتعلّمون ما يعيشون، إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشرّ، لكن ماذا عمّا يشاهده الأطفال على شاشات التلفزة والسينما، إلى أي مدى يتعلّم الطفل ما يشاهده: إن عنفًا فعنف، وإن رفقًا فرفق؟ وكيف ينبغي لنا كمربّين أن نتعامل مع هذا الكمّ الهائل من المواد الإعلامية الموجّهة للأطفال خصوصًا، تحت عناوين التسلية والتربية والتعليم؟
بات التلفزيون اليوم يلعب دورًا لا يمكن تجاهله في حياة أولادنا. يُنتجُ للأطفال عالمٌ متكامل من الصوت والصورة وعلى مدار الساعة، يوازي عالمهم الواقعي، ولكنه متفلّت من حدود الواقع، منطلق في رحاب الخيال، مع رشّة سحريةٍ هي عبارة عن كثيرٍ من المبالغة في كل شيء.
وفي الوقت الذي يروّج فيه البعض لفوائد التلفزيون على صعيد التسلية وتحسين المزاج ورفع المستوى الأكاديمي للطفل بتبع ذلك، إضافة إلى تعلّم اللغات وبعض المهارات واستكشاف العالم والحضارات، ينبري معظم التربويين إلى التحذير من مخاطر الشاشة لما في مشاهدتها من انسياق نحو الخمول والتفاعل السلبي (موقف المتفرّج) مع أحداث الحياة والإحساس بالدونية أمام مثالية الأبطال الخياليين، بالإضافة إلى قلة التركيز وقتل الإبداع والتأخر الدراسي والكثير من المشاكل الصحية (كثرة الأكل، قلة الرياضة، ضعف النظر، وغيرها).
ورغم أن معايير التقييم بين هاتين الجبهتين ليست واحدة، إذ ينبغي تحديد نوعِ البرامج ومضمونِها ومدة المشاهدة ووقتها وعمر المُشاهِد وجنسه عند الحديث عن أخطار الشاشة أو منافعها، لكن يمكننا القول بأننا في زمن يكاد لا يخلو فيه بيت من تلفاز بالحدّ الأدنى، وبأن معظم المربّين على اختلاف وجهات نظرهم يرضخون هم وأطفالهم للشاشة الصغيرة أو الكبيرة في وقت ما تحت عنوان من العناوين.
ولا شكّ أن مُدخلات الحواس تشكّل عند الإنسان علمًا، وقد صدق من قال "من فَقَدَ حسًّا فَقَدَ علمًا"، لكن العلومَ التي تأتي عبر الحواس حصوليةٌ يُحتمل فيها الصحّة والخطأ، ويحتاج معها الإنسان إلى عقل راجح ليميّز به الحق من الباطل، فكيف يميّز الطفل- إذا لم يكن قد تفتّح عقله بعد- الصحيح من الخاطئ من مشاهد الحياة التي تعرضها أمامه الشاشة بأعلى مستويات الجاذبية والجمال؟ وكيف يتفاعل قلبُه -الذي يقبل أي شيء يُلقى فيه- مع هذا التضارب الكبير في المواد المعروضة؟
نقف اليوم أمام مأزقٍ خطير يتجاوز الآثار النفسية السلبية التي تخلّفها مشاهدة العنف والخشونة، وهو يتلخّص في أن كثيرًا مما يشاهده الطفل على شاشات التلفزة والسينما يخالف المنطق ويتجاوز قوانين الحياة. قانون السببية يلغى حينًا ويساء استخدامه حينًا آخر. مبدأ الحظّ الذي يلازم البعض ويعاكس البعض الآخر بشكل مستمر ودون أي سبب منطقي، حتى مع رعاية تعيس الحظ لكامل الأسباب الموجبة للنجاح، هو أمر محطّم للمبادئ والسنن. من يموت وكيف يموت ومن يعيش ولماذا يعيش؛ كلّها تجارب حياتية تبثّ بقوالب مخالفة للقوانين الإلهية للحياة ولكن يجري تزيينها وضخّ أقوى المشاعر فيها بحيث لا يقوى المشاهد غير المحصّن على مقاومة جاذبيتها، وهي تفتك بخفّة في أطفالنا فيما نحن عاكفون على تركيز مبدأ الجمال والرقّة في شخصياتهم دون رعايةِ كثيرٍ من الأبعاد الأخرى.
نخطئ عندما نظنّ أن أولادنا ينجذبون فقط إلى القصص والأفلام التي تتناول قيم الجمال والمحبة فنترجم ذلك عمليًّا بسعينا لتشكيلهم كشخصيات مسالمة ولطيفة وبعيدة عن المخاطر، ولربما استغل أعداؤنا هذا الاشتباه عندنا ليبثوا عالمًا من الخشونة والعنف في الأفلام والرسوم المتحركة والألعاب الإلكترونية المخصصة للصغار، ويسيئوا الاستفادة بالحد الأقصى من ميل أطفالنا، الذي نتحاشاه، نحو تفعيل قواهم الغضبية، فضلًا عن الشهوية والواهمة واللتين ليس محل بحثهما هنا.
معلوم أن الإنسان بالقوة الغضبية يدفع الأخطار والأذى عن نفسه وعن الآخرين، وبها يدافع عن ماله وعرضه ووطنه ودينه، كما أنه بها يمكن أن يعتدي على الناس ويظلمهم ويمارس أفظع الجرائم. ولذلك يحكى في تهذيب النفس عن ضرورة اعتدال القوى، وحدّ الاعتدال في القوة الغضبية أن يكون الإنسان شجاعًا، فلا يُفرِط فيتهوّر ويطغى ولا يفرِّط فيجبن ويستسلم أمام المكاره.
من هنا، تصبح الأفلام التي تعرض لمواقف بطولية لأخيار مع أشرار مفيدةً، لكن بشرط رعاية الأسباب في انتصار الخير أو هزيمته، ودون المبالغة في مشاهد العنف كالتمثيل في القتل أو التخويف والإرعاب.
ولا شك أن البيئة التي يعيش فيها الطفل لها تأثير كبير على مستوى وعيه ودائرة اهتماماته. فعندما يعيش الطفل في مجتمع حربٍ يكون أكثر عرضة لمفاهيم الظلم والفساد وقيم الجهاد والمقاومة مثلًا، ويكون استعداده لاستيعاب هذه الأمور في الإعلام أعلى، أما بالنسبة للطفل الذي لم يعرف معنى الحرب والقتال في حياته الواقعية، فإن المواد الإعلامية تقدّم له في هذه الحال تجارب فرضية قد يكون بأمسّ الحاجة إليها لاستيعاب بعض المفاهيم. وتبقى هذه المواد السينمائية وأشباهها سيفًا ذو حدين: فهي تعيننا على تقديم تجارب فرضية كثيرة للطفل يستفيد من دروسها وعبرها دون خوض غمارها وعيش سلبياتها بنفسه، ولكنها من ناحية ثانية قد تشكّل مع سوء الطرح وفساد المعالجة شخصية مشوّهة غير قادرة على حمل القيم الصحيحة واللازمة.
كذلك فإن كثرة مشاهدة أعمال العنف في قالب من الهزل والفكاهة، كما يحصل في كثيرٍ من الرسوم المتحركة، قد تجعل الطفل شخصًا لامباليًا تجاه الظلم، أو متعاطفًا مع "الشرير" الذي يكون واسع الحيلة حينًا ومنبوذًا من المجتمع حينًا آخر.
ولا يخفى أن تصوير الخير والشر بصور مادية وخيالية هو أمر مناسب بالعموم للأطفال، لأن الصغار لا يدركون المفاهيم الكلية وعقولهم لا تكون فعّالة بعد، فيأتي الخيال لتقريب المعاني والمساهمة في إدراك الحقائق الجزئية، لكنّ الأساس المطلوب هو رعاية القوانين والسنن الإلهية وعدم المبالغة في التصاوير بحيث يضعف عقل الطفل بدلًا من تقويته، ويسيطر الوهم.
من حيث السنّ، من المتفق عليه تقريبًا أن الأفضل للأطفال ما دون الخمس سنوات هو عدم الجلوس مطلقًا أمام الشاشة الصغيرة أو الكبيرة، فإن كان ولا بد، فلا خطر في ساعة كحدٍّ أقصى موزّعة على اليوم الواحد لمن هم فوق السنة والنصف على أن تكون المشاهدة ذات فائدة مرجوة للطفل؛ يحصرها البعض في دردشات الفيديو مع الأهل والأقارب.
أمّا الأطفال ما بعد سنّ الخامسة، فتزيد هذه المدة إلى الساعتين، مع رعاية مجموعة من الضوابط والتي أهمها مواكبة الأهل للطفل، لتصحيح المفاهيم المغلوطة -إن وُجدت- أثناء المشاهدة أو بعدها، وتحليل ما مرّ أمام مرأى الطفل وسمعه، والتأكد من حسن استيعابه لما هو مرجوّ من وراء المشاهدة أساسًا، فلا يتحوّل الطفل إلى مجرّد متلقٍّ منفعل. وفي كل الأحوال لا بد من إشراف الوالدين على مشاهدات أطفالهم من مختلف الأعمار، سواء في اختيار المضمون أو وقته أو طريقة معالجته.
قد لا يكون هذا التحديد للسنّ حادًا وثابتًا، لكننا كأهلٍ ومربّين نتحمّل مسؤولية حماية الطفل الذي لا يميّز بين الواقع والخيال من جهة، ويتطلّب نموه السليم أن يتفاعل مع الواقع من حوله بكل حواسه من جهة ثانية. وهذا الأمر يحتاج بلا تردّد إلى الحيلولة بينه وبين الشاشة في سنّ معينة، والتقليل من مشاهدته لها ما أمكن في سنوات أُخَر.
ومع رعاية ضابطة السنّ، يمكن القول بأنه لا بأس لمن هم فوق الخامسة من العمر بمشاهدة بعض أفلام الكرتون وغيرها من برامج الأطفال التي تطرح القيم الأخلاقية المختلفة وتُحسن معالجتها، كما تقدّم فوائد تعليمية لغوية ومهارات حياتية مختلفة. وأهم ما يمكن أن يقوم به الأهل والمربون في هذا المجال هو مرافقة أبنائهم أثناء حضورهم أمام الشاشة سواء في السينما أو التلفزيون، والإشراف على تقييم ما يُعرض أمامهم وتبيين الخاطئ من الصحيح منه والتمييز بين الواقعي والخيالي فيه.
ولا بأس بالإضافة إلى ما مرّ رعاية الخطوات الوقائية التالية دومًا:
- عدم تشغيل التلفزيون في المنزل إلا في الأوقات المحددة.
- عدم وضع التلفزيون في غرف النوم بل في غرفة الجلوس التي تجتمع فيها الأسرة.
- عدم استخدام التلفزيون كوسيلة لإلهاء الطفل والتخلّص من شغبه.




التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

عزة فرحات
باحثة وكاتبة في شؤون الأسرة والمرأة والطفل