متى يكون التعليم المهني خيارًا مناسبًا؟

البوصلة/ أساسيّات وركائز

أ. فضل الموسوي
ربّما لو طرحنا هذا السّؤال في بلد غير لبنان كألمانيا، على سبيل المثال لا الحصر، لكان الجواب بدَهِيًّا، كون التعليم المهني هناك يعتبر ركيزة أساسيّة من ركائز الاقتصاد الألماني، وهو محل اهتمام وعناية خاصّتين من الحكومة الألمانيّة. ولكن لماذا؟ ببساطة لأن ألمانيا بلد يعتمد على التّقانة والصّناعة، وبالتالي فهو يحتاج إلى الكفاءات التّقنيّة والاختصاصات المهنيّة. لا بل إنّ ألمانيا تقدّم اليوم خدمة التّدريب المهنيّ للعاملين المحترفين من كل بلدان العالم، الذين يتقاطرون بالآلاف للمشاركة في دوراتها التدريبيّة، ويدفعون مبالغ طائلة ليكتسبوا المهارات المطلوبة. وهذا لا يقتصر على اختصاصات ميكانيك السيارات فقط، بل على مئات الاختصاصات الأخرى وفي شتّى المجالات.
أمّا وأنّ سؤالنا يطرح في لبنان، فالجواب ليس بدَهِيًّا مطلقًا، بل هو مسؤوليّة أيضًا. وقبل أن نتورّط بإجابة جاهزة ومعلّبة ومنمّطة عن هذا السؤال، دعونا نوضّح في البداية بعض الشبهات المعشِّشة في رؤوس بعض الأهالي والمتعلّمين والمعلّمين على حدٍّ سواء.
التعليم المهني ليس أقل من التعليم العام (الثانوي) بالمبدأ؛ بل هو مسار موازٍ لمسار التعليم العام، وله كفايته التي يُتوقّع من المتعلّم أن يحقّقها كي يتمكّن من الالتحاق بوظائف تؤمّن له العيش الكريم، وربّما تكون النتيجة أفضل من تلك المتوقَّعة لخرّيج المسار الأكاديمي. ومن الطّرف الجميلة، التي تحضرني في هذه اللّحظة، حسرة أستاذي الجامعي، الذي حصل على دكتوراه في الفلسفة منذ ما يربو على 40 عامًا، ومع ذلك ما زال مضطرًا للعمل حتّى اليوم ليؤمّن مدخوله ومدخول عائلته؛ بينما صديقه في الصّف، الذي كان موهوبًا بالطّهي، ولم يكمل مساره الأكاديمي يعيش في بحبوحة ورغد، حتى إنهم أطلقوا اسمه "آراكس" على الشارع الذي فتح فيه مطعمه (مطعم فلافل) لكثرة ما ذاع صيته، فلم يبقَ أحد في لبنان لم يزره.
ما نبغيه من المثال هنا، تحطيم فكرة متداولة بشدّة حول "أفضليّة فرص الطّلاب الذين ينهون المسار الأكاديمي، مقابل أولئك الذين ينحون منحى المسار المهني" لنؤكّد في المقابل أن خروج المتعلّم في المسار المهني باكرًا إلى سوق العمل، يعطيه فرصة التقدّم بأشواط عن خريج المسار الأكاديمي. لذلك فإن أفضليّة الفرص بالحقيقة لا ترتبط بالمسار بقدر ما ترتبط بالكفاءة لدى الخريج أيًا يكن مجال عمله.
ففي حال كان هناك عطْلٌ متكرّر للكهرباء في منزلك، فأنت على الأرجح ستكون مستعدًّا لدفع ما يطلبه الكهربائيّ مقابل أن يريحك من هذا العطل، فكيف الحال بالسمكري، أو الميكانيكي، أو تقني الهواتف والإلكترونيّات، أو النجار، أو .......إذًا المشكلة مشكلة كفاءة وليست مشكلة مسار ولا حتّى اختصاص.
وبالحديث عن كفاءة الخريجين في لبنان، نجد مع الأسف أنّ الفجوة كبيرة بين مهارات الخرّيجين ومتطلبات سوق العمل، في القطاعين الأكاديمي والمهني على حدٍّ سواء. ولكن ما يزيد المشكلة تورّمًا في التعليم المهني هو كون المهارات السِّمة الأبرز للخرّيج، وكون سوق العمل لا ينتظر في هذا المجال، ولا يحتمل أيّ أخطاء، خلافًأ للمسار الأكاديمي الذي قد تكون من طبيعة بعض اختصاصاته البعدالنّظري والفكري.
ولعلّ أكثر ما ألحق الضرر بقطاع التعليم المهني والتقني في لبنان، وأكثر ما خلق تصوّرات ومفاهيم خاطئة حول هذا القطاع وحول تلامذته، هو مواصفات المتخرّجين منه. هذه المواصفات هي نتيجة عمليّة التّعليم ذي الجودة المتدنيّة، ونتيجة الهاجس التجاري الطاغي على البعد التربوي. خصوصًا في بعض معاهد القطاع الخاص المنتشرة في مناطقنا، والتي يتولى الترويج لها ورعاية أنشطتها مسؤولين يفترض أنهم مؤتمنين على مصالح الناس وتوجيههم التربوي.
يحدثنا بعض التلامذة عن ممارسات هذه المعاهد الدّكاكين، كيف أنّهم يعطّلون أكثر من نصف العام للتّوفير، وكيف يتمّ دمج الاختصاصات مع بعضها، كجذع مشترك، ثمّ تفرّد في مواد الاختصاص التي تكون محدودة جدًّا؛ فمثلاً قد تنجز بكالوريا فنيّة في اختصاص المعلوماتيّة وأنت لا تجيد مدّ شبكة واحدة، ولا تحسن كتابة كُود واحد، أو تنهي اختصاص علوم التّصميم والغرافيك وأنت لم تفتح برنامج فوتوشوب وأخوته لأكثر من التّعارف العام. كيف يجلس المتعلِّمين باللّغة الإنكليزية والفرنسيّة في صفٍّ واحد، وكيف ينجح المتعلِّمون، أو يحصل البعض منهم على إفادات غبّ الطّلب.
وأنّى للمتعلمين أن يمتلكوا الكفاءة، فيما المختبرات تفتقر إلى أبسط الأدوات المطلوبة، وأنّى لمهاراتهم أن تنمى ومعلموهم لا يخضعون لأي تأهيل وتطوير إلا ما رحم ربّي. أنّى لهؤلاء الطلاب أن يشعروا أنّهم طلاب أصلاً وفضاءات الاستراحة والأنشطة لديهم غالبًا على مدخل بناية، يتّخذ المعهد من إحدى طوابقها، صفوفًا للدراسة. هذا ناهيك عن خلوِّه من المكتبات بطبيعة الحال، والمرافق الرياضيَّة، إلا في حال كان المعهد يصوّر إعلانًا. فضلاً عن كون 22 % فقط من المتعلِّمين يكملون دراستهم لتحصيل شهادة الامتياز الفنِّي، و6% لتحصيل مستوى الإجازة التعليميّة المهنيّة.
وبطبيعة الحال لا تتحمّل المعاهد الخاصة وحدها مسؤوليّة ضعف مهارات الخرِّيجين، والمشكلة في تردّي النظام التّعليمي ككلّ، والذي باتت تشكل فيه المعاهد الخاصة أكثر من 40% من مجموع الطلاب العام (52% للقطاع الخاص في بيروت وضواحيها، وتقل في الشمال والبقاع بسبب الظروف الاقتصاديّة)، وهو ما أعلنته وزارة التربية والتعليم العالي من خلال وثيقة "الإطار الإستراتيجي الوطني للتعليم والتدريب المهني والتقني في لبنان 2018-2022"(1). والتي خلصت إلى وجود ثلاثة أوجه قصور في نظام التّعليم والتّدريب التّقني والمهنيّ في لبنان كما تبيّن المعلومات أدناه:

الحصول على الخدمات وتوفيرها · عدم توفّر فرص عمل لائقة لخريجي التعليم والتدريب التقني والمهني · منافسة عالية على وظائف التعليم والتدريب التقني والمهني بين ذوي المهارات المنخفضة بسبب تدفق أعداد كبيرة من اللاجئين وغيرهم من المهاجرين الراغبين في قبول الأجور المنخفضة · الغموض الذي يكتنف الكفايات التي اكتسبها الخريجون من خلال برامج التعليم والتدريب التقني والمهني · غياب التوجيه المهني في معظم مدارس التعليم والتدريب المهني · ضعف المباني والحاجة إلى إصلاحها وتزويدها بالمعدات لمواكبة متطلبات أصحاب العمل واحتياجات سوق العمل المتغيرة.
الجودة والملاءمة · مناهج قديمة لا تعتمد على الكفاءة · غياب معايير مؤهلات موحدة للكفايات والمناهج وأدوات تقييم الأثر · غياب مشاركة الشركاء الاجتماعيين بانتظام في تصميم وتنفيذ وتقييم برامج التعليم والتدريب التقني والمهني · غياب معلومات وثيقة ودقيقة عن احتياجات السوق الحالية والمستقبلية · لم تعالج برامج التعليم والتدريب الفني والمهني القائمة المهارات الحياتية بصورة مناسبة.
الحوكمة والنظم · الإفتقار لآليات التنسيق بين المؤسسات لمواءمة الممارسات وتحديد الأولويات والتعلم من التّقدّم المحرز.

وتضيء الدراسة كما نلاحظ على قضايا مهمة مثل التوجيه المهني للمتعلمين لاختيار الاختصاص المناسب لهم، بدل التّشتّت بين الاختصاصات، وهذه مسألة في غاية الأهميّة وتكون أحيانًا سببًا في ضياع سنواتٍ من عمر المتعلِّمين.
طبعًأ لا يسع المقال هنا للغوص في كل النّقاط؛ بل إننا نحاول من هذا العرض تحديد المتغيّرات الحاسمة في الإجابة على سؤال المقال الأساس وهو: متى يكون التّعليم المهني خيارًا مناسبًا؟ وفي معرض الإجابة على هذا السؤال نجد أنفسنا عالقين بين أهمية التعليم المهني والتقني، وكونه يتناسب مع أنواع محدّدة من ذكاءات الطلاب من جهة، وبين واقع التعليم المهني والتقني الذي لا ينتج كفايات مهنية ملائمة لحاجات سوق العمل من جهة أخرى.
قبل شروعنا في كتابة هذا المقال، اتصلنا بأصدقاء لنا يعملون في مجال التعليم المهني والتقني منذ فتره طويلة تربو على ال12 سنة. وطلبنا منهم أن يجيبونا بصراحة تامة: متى ينصحون الطلاب بالتوجّه للدّراسة المهنيّة؟ وضمن أيّة شروط ومعطيات؟
أجمع الخبراء الثلاثة أن التعليم المهني يمكن أن يكون مناسبًا في حال كان المتعلّم غير قادر على الاستمرار في التعليم العام، وبالتالي ممكن أن يتسرّب كليًّا، أو أنّه يريد اختيار اختصاصات لها مسارات تكميليّة في الجامعة فيمهّد لها من خلال اختيار الاختصاص المهني والتقني المناسب. في هاتين الحالتين فقط ينصح الخبراء بالانتقال إلى أحد الاختصاصات المهنيّة وذلك ضمن مجموعة من الشروط منها:
الشرط الأوّل: الانتباه جيّدًا للمعهد الذي يريد الانتساب إليه، وأن لا يُؤخذ بالإعلانات الزائفة في أغلبها.
الشرط الثاني: الابتعاد عن الاختصاصات العامة غير التقنيّة، والتي لا تزوّده بمهارات حسيّة حركيّة في نهايتها. فمع الأسف الشديد تشجع المعاهد على التسجيل في الاختصاصات العامة لتدنّي تكلفتها الماليّة، وزيادة أرباحها، بينما يفضّلها التلامذة لسهولتها. ويوجد في هذا المجال معاهد محترمة جدًا وتفتح اختصاصات صناعية مهمة، وهي جادة في نظام الحضور والغياب والامتحانات، وتؤمّن المختبرات، والتطبيقات، وغالبًا ما يجد خرِّيجوها طريقهم إلى العمل قبل التخرّج.
ضمن هذه المعايير والشروط فقط، يصبح الاختصاص المهني اختصاصًا مناسبًا؛ بل وربما أفضل من التعليم العام، خاصّة إذا ما تناسب مع اهتمامات المتعلّم وميوله. كما يمكن للمتعلّمين، والحال كذلك، معاودة مسارهم الأكاديمي من خلال الالتحاق باختصاص جامعي، مثل هندسة الديكور، والتربية الحضانيّة، والرياضة. وبذلك يكون المتعلّم قد حافظ على مساره التعليمي الجامعي، بالالتفاف قليلًا عن مسار التعليم العام الذي قد لا يكون متناسبًا مع قدراته واهتماماته وذكاءاته في كثير من الأحيان. فلماذا نرهقه بتحميله أكثر من طاقته، بينما هو متاح له الوصول للتعليم الجامعي من مسار آخر.
طبعًا يجدر الإشارة هنا أن هذه الفكرة تصلح تمامًا في الاختصاصات الجامعيّة التي لا تعتمد على أهداف المرحلة الثانويّة؛ بل بالعكس تعتمد على أهداف بعض الاختصاصات المهنيّة، أو تكون اختصاصات تطبيقيّة بطبيعتها مثل: الرسم، التصوير، المسرح، الإخراج، التمريض، التّربية الحضانيّة، الفندقيّة وغيرها.....



1. وبدعم من منظمة الأمم المتحدة للطفولة )اليونيسيف) ومنظمة العمل الدوليّة. وقد شملت هذه المشاورات طائفة واسعة من أصحاب العمل بما في ذلك وزارة التربية والتعليم العالي ووزارة العمل ووزارة الزراعة ووزارة الشؤون الإجتماعيّة والمؤسسة الوطنيّة للاستخدام والمركز الوطني للتدريب المهني وممثلي القطاع الخاص والمنظمات غير الحكوميّة.

التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

صورة
أ. فضل الموسوي
أستاذ جامعي ومدير التدريب في مدارس المهدي (ع)