من تعليم الطفل "ماذا يفكر" إلى تعليمه "كيف يفكّر"!

البوصلة/ أساسيّات وركائز

عزة فرحات - باحثة وكاتبة في شؤون الأسرة والمرأة والطفل
من منّا لا يريد لأطفاله الأفضل؟ جميعنا كأهل حريصون على أطفالنا؛ نعلّمهم ماذا يأكلون، وماذا يقولون، وماذا يرتدون، ونعم؛ ماذا يفكّرون! ينطلق الوالدان في رحلتهم التربوية مع الأبناء وهما يحلمان بتعليمهم آلاف الأشياء. يضعان لوائح بالقيم التي ينبغي أن يتبنّاها الأبناء، والأهداف التي يجب أن يرسموها لحياتهم، والسلوكيات التي يُتوقّع أن يطبّقوها، والعلاقات التي لا بدّ أن يشكّلوها. ثمّ تمرّ الأيام فنبدأ مُرغمين بتصغير حجم اللوائح، وإعادة رسم الأولويات وفق خطط الطوارئ، وتتضاءل الممنوعات والمرغوبات لتخلُص إلى عدة أمور حسّاسة، ربّما لا يتجاوز عددُها أصابعَ اليد. نذكّرهم فيها على الدوام، وندعو لهم بتحقيقها. وحين نراهم بعد سنوات أمام أعيننا أطول وأقوى وأصحاب اختيار وقرار، يتّضح لنا أيضًا أن أولادنا كانوا قد بدأوا رحلة الانفصال عنا من لحظة ولادتهم، وهم اليوم أصدقاء حميمين لنا في أحسن الأحوال.
نكتشف فيما يكبر أبناؤنا أننا لا نستطيع أن نعلّمهم كل ما يحتاجون إلى معرفته. فلا الوقت يسمح ولا ظروف الحياة ولا أطفالنا أنفسهم. ويضطر أولادنا إلى تعلّم الكثير "من كيسهم". ويتّخذون قرارات لم نتوقّعها لهم. وقد نكتشف أن الأفكار الكثيرة التي ألقيناها على مسامعهم وأكّدنا عليها مرارًا وتكرارًا لم تصمد في أذهانهم أمام أول تحدٍّ، لأنهم لم يعرفوا أساسًا لماذا يعتقدون بما يعتقدون.
وقبل أن نمضي بتصوير مستقبلٍ لا نرضاه لا قدّر الله، يمكننا قبل الوصول إلى تلك المرحلة التنبّه قليلًا والإمساك بمفتاح جوهري في التربية، يضعنا على السكة الصحيحة لصناعة جيل أفضل: لا تُملوا على أولادكم ماذا يفكّرون، فالأهم أن تعلّموهم كيف يفكّرون!
بالرغم من أنّ كل الأطفال فضوليون، شكّاكون، معترضون، محبّون للتجربة، كثيرو السؤال، لكنهم في الوقت نفسه سريعو التصديق، كثيرو التّقبّل، يعمدون إلى أن يكونوا أقلّ تحليلا من الكبار. ويبدو أن قدرة الصغار على التفكّر والتحليل والنقد ترتبط كثيرًا بمقدار ما يتوقّع أهلُهم ومعلّموهم منهم ذلك، وبحجم الفرص التي يُؤَمّنونها لتنميتها.
كم يفرح الأهل بمحفوظات أولادهم وكم يجهدون لزيادتها؟ وإلى أي درجة تركّز المدارس اليوم على تلقين الطلاب "ماذا يجيبون" وفي أحسن الأحوال "كيف يتعلمّون"؟ لكنّ هذه الجهود كلها تستحيل سرابًا ما لم يتمكّن الأبناء من خلالها أن يعرفوا الحق ويتّبعوه، ويميّزوا القبيح ويبتعدوا عنه، ويحلّوا مشاكلهم المختلفة في ميادين الحياة، ويقتربوا من الله أكثر يوما بعد آخر.
قديمًا كان يقال: "علّمه الصيد ولا تعطِه سمكة!" لكن التوجّه المطلوب اليوم ليس مجرّد الانتقال من تلقين الطفل المعلومات إلى تعليمه كيف يتعلّمها، بل هو تجاوز لتقنية التعلًم إلى منهجية التفكير والتفكّر: إذا أدرك الطفل ما هو الصيد وما هو السمك، سوف يدرك متعة اصطياده وينطلق تلقائيًا ليتعرّف: كيف يصطاد وأين ومتى وما وكم، مبتكرًا لا مطبّقًا فقط.
ينفر الأهل عادة من إطلاق العنان لأبنائهم على مستوى التفكير خوفًا عليهم من أن يضلّوا من جهة، ولأن في هذا الانطلاق الفكري تهديدًا لسلطتهم وتحدّيًا لهيبتهم، ولذلك هم يتشدّدون منذ البداية في حسم الصحيح من الخطأ، وما يجب وما لا يجب، دون أن يتعدّوا ذلك إلى بحث علّة كون هذا الأمر صحيحًا أو سبب جعل ذاك الفعل ممنوعًا على أبنائهم.
وتنغمس المدارس، رغم تحديدها للكفايات الصحيحة غالبًا، في تقديم الإجابات الجاهزة المعلّبة، التي تنفع الطلّاب في الامتحان المدرسي والرسمي، لتخذلهم في امتحان الحياة.
في كل شيء يُساق الطفلُ التلميذُ للبحث عن الجواب الصحيح الواحد، ليحفظه وينتهي من همّ المحاسبة. حتى المسائل الرياضية، يُشَجّع الطلاب أن يحلّوها بطريقة واحدة، هي طريقة المدرّس. وإذا ما توصّل التلميذ إلى طريقة أخرى يُطلَب منه نسيانها والتركيز على طريقة المدرّس، لأنها المطلوبة! يلقّن الطلّاب خاصّة قبل الامتحانات الرسمية: هكذا تجيبون، هكذا تكتبون، ليس المطلوب منكم الآن أن تفكّروا، المطلوب أن تحفظوا وستضمنون النجاح!
يفقدُ الولد مع الأيام الثقةَ بقدرته على التفكير، ويخاف المحاولة. هكذا يُخلَق الطفل منبهرًا بألوان الحياة شغوفًا بتجربتها ليباشر الأهل سعيًا حثيثًا لترويضه وقولبته، ولتنتزع المدرسة منه متعة التحليل والنقد والابداع، بكثرة الحشو ولزوم الحفظ ورُهاب الامتحان وعبء التنافس على الدرجات!
ربّما تكون العوامل المؤدية إلى هذا الوضع كثيرة معقّدة. يشكو الأساتذة والمعلمات من أنهم لا يملكون الوقت الكافي ليسمحوا للتلميذ بالتفكير والتفلسف في صفّ يغصّ بعشرات الطلاب وكمّ كبير من المعلومات التي يفرضها المنهج. ويشكو الأهل أحيانًا من فقدانهم هم أنفسهم للقدرة على تعلّم كيفية التفكير فما بالك بتعليمه!
في غير مرة خلال تجربتي التعليمية كانت تقف إحدى الطالبات في عز نقاشِ فكري مفتوح لتقول: "يعني شو لازم نحفظ للامتحان؟" وتتساءل أخرى إذا ما دخلنا في الطريقة التوليدية: "يا حاجة اللي عم تقوليهن بأي صفحة بالكتاب؟!" وإذا ما قلت إن ما نتبادله ليس موجودًا في المتن الدراسي ربّما تعالى اعتراض: "وكيف سندرس ونمتحن؛ رح تخلص الحصة وما عملنا شي!"
وحتى لا نستغرق في لعن الظلام لا بأس أن نركّز على نقاط النور التي يمكن أن يستضيء بها الأهل والمربّون في هذا المجال.
التفكير مهارة يمكن تنميتها وتقويتها وتوسعة آفاقها. وإذا لم نكن قادرين على تفعيل قابليات الطفل وتنمية ذكاءاته فالحدّ الأدنى هو أن لا نستغبيه أو نهيمن عليه فكريًّا. لا يلزم في الحوارات الفكرية أن نكون دومًا نحن الخبراء الذين يلجأ إليهم الأبناء في طلب المعرفة، بل يمكن أن نصير باحثين زملاء مع أبنائنا لتحصيل وعي أفضل لتجربتنا الإنسانية.

هذه ثلاثة طرقِ يمكن سلوكها لتعليم الطّفل كيف يفكّر لا ماذا يفكّر:
1. كن المثال الذي يُحتذى
مهما حاول أبناؤك أن يختلفوا عنك، مع الأيام ستظهر الكثير من وجوه الشبه. ليس في الشكل فحسب، بل في الطباع والعادات أيضًا. اسعَ مع مراعاة خصائص أعمار أطفالك، أن تكون مثالًا للإنسان الذي يفكّر ويحلّل وينقد ويحاور أفراد أسرته حول شؤون العائلة وقضايا المجتمع وهموم السياسة واهتمامات الثقافة وأحوال الشعوب.
جلوس جميع أفراد الأسرة على مائدة الطعام لا ينبغي أن يكون فرضًا واجبًا، ولكن ينبغي أن يكون أولوية، لأنه الوقت الأنسب لإجراء الحوارات والنقاشات. أعطِ أولادك الإذن ليَتَحَدّوا أفكارك، مع مراعاة الاحترام والأدب. فمن الأفضل أن يفكّروا ويناقشوا ويعترضوا على أن يتذمروا أو يتغامزوا أو لا يبالوا.
قد يكون هذا الأمر قاسيًا على الأهل أحيانًا، خاصة إذا ما تعدّدت الفئات العمرية في الأبناء ورأى الاخوة الصغار إخوتهم الكبار "يجاوبون" أهلهم. لكنّها مسؤوليتنا أمام الله أولًا تحتّم علينا أن نعلّم أبناءنا آداب الحوار وأن نمنحهم فرصة التفكير وأن نمكّنهم كذلك من التعبير عن آرائهم.
2. افتح الحوارات؛ لا تغلقها
جميعنا نعمل على أن يحفظ أبناؤنا الكثير من المعلومات في صغرهم: أذكار الصلاة، بعض الأدعية، أصول الدين، بعض الأحكام الشرعية. وصحيح أن الحفظ يتعلّق بتعليم الأطفال ماذا يفكرون لكنّه مهم للصغار جدًّا. إنه يشبه تلاوة الآيات {يتلو عليهم آياته} التي تأتي أوّلًا قبل التربية والتعليم، حيث يلقي المربي الحقائق أمام المتربّي لتستثير عقله وتُطلق أفكاره. تكمن المشكلة حين يكتفي الأهل بالإلقاء دون أن يفسحوا المجال أمام التفكّر والتساؤل. والأسوأ أن يعتبر الأهل مع مرور السنوات رؤيتهم وآدابهم وأعرافهم بمثابة الآيات التي ينبغي أن يأخذ بها الأبناء حصرًا: احفظ درسك، اسمع الكلمة، هذا الصديق اتركه، هذا الكلام لا تقله، لا تناقش، افعل، لا تفعل، سوف يعاقبك الله.
احترم عقول أولادك ولا تحسم النقاش معهم بتقديم إجاباتك مباشرة. اسألهم عمّا يظنون ويرجحون ولماذا. اطلب منهم أن يدافعوا عن أفكارهم بتقديم الدليل عليها. شجّعهم على تقديم الحلول البديلة وليس فقط تقديم الجواب الذي تودّه. بيّن لهم لماذا تكون بعض الأجوبة صحيحة وبعضها خاطئ وكيف تتميّز المقدمات الصحيحة عن السقيمة، وما هو الفرق بين الرأي والانطباع والحقيقة، وما هو الكمال ومن هو الكامل.
استثمر أسئلة أطفالك وحسّنها. قد لا يكون سؤال الطفل عميقًا بادئ الأمر ولكن يمكنك أنت تعميقه وفلسفتَه؛
السؤال عن الساعة قد يصل إلى حوار حول مفهوم الزمن وحقيقته، والحديث عن أكل اللحم قد ينجرّ إلى مكانة الإنسان في عالم الوجود وعلاقته بالمخلوقات الأخرى.
3 وسّع آفاق المعرفة
تقدّم لنا وسائل التواصل والكتب والأفلام والتلفزيون الكثير من المواد الفكرية والصورية وتضعنا أمام العديد من التحديات الجديدة كل يوم. ومهما سعى الأهل إلى جعل أبنائهم يشاهدون فقط ما يشبههم ويؤكّد أفكارهم، فسرعان ما ستوضع اعتقادات الأبناء على المحك أمام المدّ الهائل للمحيط. يُتَوقّع أن يكون لدى ابنك أصدقاء يختلفون معه في المبادئ ومستوى التديّن، وأن تقرأ ابنتك كتبًا تتحدّى المسلّمات عندها، وأن يلتقي أولادك يومًا ما شخصيّات تعادي منظومتكم الفكرية. الشباب الذي يعرف لماذا يعتقد بما يعتقد لن يهتزّ أمام الشبهات.
منذ الصغر يجب على الأهل أن ينمّوا مهارة القراءة عند أولادهم. فإذا قرأوا سألوا، وإذا سألوا تحاوروا، وبالحوارات يتطوّر الفهم والتحليل والبيان، وكلما كانت هذه المهارات فعّالة تعزّزت القدرة على التفكير والإبداع، وكلما تنوّعت مصادر المعرفة واتسعت دائرتها ترقّت أنماط التفكير. فإذا كنت قد أسّست لعقل قويّ ونفس واثقة ومنطق سليم ثبت أبناؤك أمام التحدّيات، وجادلوا بالتي هي أحسن.
حين نعطي عقول أبناءنا حقّها في التربية وننمي قدراتهم على الاستدلال والبيان نعفيهم من الكثير من مشاكل التعليم في المدارس ونفتح أمامهم أرحب أبواب المعرفة.
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

عزة فرحات
باحثة وكاتبة في شؤون الأسرة والمرأة والطفل