تعليم الفلسفة للأطفال

البوصلة/ أساسيّات وركائز

د.أميمة عليق ـ أستاذة جامعية؛ اختصاصية في علم النفس التربوي
لقد آن الأوان ليتعلّم الأطفال الفلسفة....نعم الفلسفة!!
هل تموتُ الّتفاحة؟
سألَتْ نورُ- الفتاةُ ذاتُ الثّماني سنوات- هذا السّؤال، ثمّ أكمَلَتْ: هل هي على قيد الحياة؟ فكَّرتْ وفكّرتْ، ووصلَتْ إلى الّنتيجة التالية:" لا ليست على قيد الحياة؛ لكنّها في وقت ما كانت حيّة."و بعدَ وقتٍ قصير عادَت لتَسأل نفسها:"صحيح، كانَت حيّة .... لكن متى ماتتْ؟"
إذا فكّرتم أنّ سؤال نور هو غير عادي، فالحقّ معكم،لأنّه من الصّعب أن نعرف من أين نشأ هذا السّؤال الغريب. فإذا سألْنا أنفسنا:" حين كانت تفاحة نور على الشجرة، وكانت في حالة نموّ، هل كانت على قيد الحياة؟ إذا قلنا نعم كانت حيّة، فهل هذا يعني أنّنا حقًّا نعتقد أن التّفّاح يموت؟وإذا قلنا إن التفاحة كانت على قيد الحياة، لكنّها لم تمت، فهل هذا يعني أن هناك مخلوقات لا تموت؟"
أنا الآن أسمعكم تقولون:" إن الأمر يتعلق بالرّأي الشّخصي للفرد، أو بفَهْمِنا للمخلوقِ الحيّ."
إذا ما حلّلنا هذه المفاهيم بشكل دقيق، قد تحلّ المشكلة. ولكن هذه المشكلة لن تحل إلا "بالّتفكير".
إنّ طرح هذه المسألة مع الأطفال سيؤدّي بنا دون شكّ الى البحث الفلسفي. وسيضطرون ـ أي الأطفال ـ للّتفكير بالمفاهيم الحياتيّة الأساسية، وسيتعرفون على الحواجز التي قد تواجههم. وبالطبع سوف يبحثون في المتشابهات والاختلافات وسيفكّرون بعلاقات جديدة بين المفاهيم، والتي ستؤدّي دون شكّ الى تنمية قدرة الفهم لديهم.
من هنا يطرح هذا السؤال نفسه:
هل بإمكاننا تعليم الأطفال البحث الفلسفي أو الفلسفة؟
حين يسمع بعض الأفراد مصطلح الفلسفة، يعتقدون أن المقصود به هو برنامج الفلسفة الذي يُدرَّس في الجامعة لطلّاب هذا الاختصاص، ولذلك يسارعون في الحُكم بِعدم إمكانيّة تعليم هذا البرنامج للأطفال.
بينما يعتقد بعضٌ آخر أنّ الفلسفة للأطفال ترتكز على تبسيط المفاهيم الفلسفية لهم. بالتّالي، وانطلاقًا من رأيهم المبتني على عدم إمكانية تعليم الفلسفة للأطفال بمجرد تبسيط المفاهيم، اعتبروا أيضًاً أن هذا الأمر غير ممكن.
مجموعة أخرى تعتبر أن ما يُطلق عليه الفلسفة للأطفال ليس سوى اجتماع عدد من الأطفال معاً، وسماعهم لقصة ثمَّ الحديث حول ما فهموه من هذه القصّة، وهكذا قلّلوا من قيمة الفلسفة للأطفال.
أما اذا أردنا توضيح ما هي الفلسفة للأطفال، فلا بدَّ من العودة إلى مفهوم الفلسفة، إذ إنّ الفلسفة هي أحد فروع المعرفة الإنسانية التي تُعنى بتصنيف وتحليل الأفكار والمفاهيم والحجج ذات الصّلة بالأسئلة الهامّة في الحياة. وكما وصفها سقراط، يتمحور مفهوم الفلسفة حول طرح المزيد والمزيد من الأسئلة التي تنبع في بادئ الأمر من التّعجب من ظاهرة أو حدثٍ معين. ففي الفلسفة نحن لا نسأل أنفسنا فقط، بل الآخرين كذلك، الّذين يشكّلون مجتمعنا. لذلك كانت طريقة سقراط ترتكز حول محاورة الصّغار والكبار. حيث كان يهدف يومها إلى طرح الأسئلة على النّاس والاستماع إلى آرائهم ومحاورتهم وتحفيزهم على انتقاد آرائه. ومن خلال هذه الحوارات تظهر الأفكار والحقائق وتغيير الآراء وقبول غيرها. هنا يلعب كلٌّ من السّؤال الجيّد، البيان الجيّد، التّأمل والحوار دورًاً أساسيًّاً في هذه العمليّة. ولا بدَّ من الإشارة إلى أنّ التّساؤلات الفلسفيّة هي التّساؤلات التي لا نجد لها الإجابة مباشرة.
وبالعودة إلى سؤال "نور"، يمكننا الإلتفات إلى أن التّفكير الفلسفي يعني التّساؤلات التي لا نستطيع ـ من خلال الحسابات الرّياضية، أو المشاهدات المنظّمة، أو من خلال القيام باختبارات ـ الإجابة عنها. هذه التّساؤلات تختبئ حول كلّ ما نراه ونعيشه، وقد اعتدنا على الافتراض بأنّها من المُسَلّمات. على سبيل المثال، نحن نستعمل الأرقام للقيام بالعمليّات الحسابيّة، ولكن إذا ما سُئِلْنا ما هي الأعداد كأعداد، لا يمكننا الإجابة بعمليّة حسابيّة عن هذا السّؤال. من ناحية أخرى، يمكننا من خلال المشاهدة المباشرة أن نتعرّف على الوقائع حولنا، ولكن لا يمكن للمشاهدة أن تُجيبنا عن السّؤال التالي: كيف تحولّت هذه الأمور إلى وقائع ثابتة؟
فالفلسفة ليست بالأمر السّطحي، فهي توجب الكثير من الجلوس والتّفكير وطرح الأسئلة ومحاولة الإجابة عنها. قد تبدأ الفلسفة بالتّعجّب وتنتهي بالفهم، او لرُبّما في بعض الحالات بالحِكمة. لكن هذا الطّريق يتطلّب قدرًا كبيرًا من العمل الشاقّ، والّذي يأخذ في كثير من الأحيان شكل حوار أو محادثة . الحوار هو مفتاح الحلّ، لأنّه يضع على مستوى الاختبار: كلًّا من إرادتنا ، حججنا وبراهيننا، منطق تفكيرنا، استنتاجاتنا وافكارنا. وفقط حين نختبر كلًّا ممّا سبق، سنكون مفكِّرين أفضل... وفي الطّريق الذي نسلكه إلى الارتقاء بذواتنا إلى مستوى أفضل كمفكّرين ـ عبر الحوار ـ سنكون قد هيّأنا فُرَصًاً لأطفالنا ليكونوا أناسًا افضل.
من أسّس لهذا البرنامج؟
ليبمان مدرّس المنطق في جامعة كولومبيا كان قد لاحظ أنَّ طلّابه كانوا متحمّسین وتوّاقین لتغيير واقع العالم؛ إلّا إنّهم كان ينقصهم بعض أسس التّفكير السّليم وإبداء القرارات الصّائبة. كما لاحظ أيضاً أن غالبيّة طلّابه في الجامعة يفتقرون إلى مهارات التّفكير النّقدي، لكونهم لم يتعلّموا في سنٍّ مبكرة كيف يفكّرون، وأنّ الانتظار إلى سنّ النّضج لتعليم التفكير لن يكون متأخّرا فحسب، بل سيصير أصعب. لذلك حثّ على البدء بتعليم التفكير السّليم في سنٍّ مبكرة جدًّا. وقد أدرك أنّ المرحلة الجامعيّة ستكون فرصة متأخّرة لتحفيز الأفراد على التفكير بالطّريقة السّليمة. لذلك انطلق، وبعد الكثير من التّشاور مع العلماء والأدباء، إلى وضع الحجر الأساس لما يُعرف ببرنامج الفلسفة للأطفال(p4c=philosophy for children )، الذي ارتكزعلى القصص التي تفتح الأفق للحوار ولطرح الأسئلة وللنقد وللبحث عن قيم خاصّة بالأطفال الّذين يشاركون في هذا البرنامج. وبما أنّ القيم هي جزء لا يتجزّأ من الفلسفة التّربويّة لأيّ مدرسة فلسفيّة، فإن برنامج الفلسفة للأطفال يفتح المجال أمامهم للتّحليل الأخلاقي، وبالتّالي لتبنّي السلوكيّات الأخلاقيّة الأفضل.
من أين نبدأ؟
لنبدأ مع الأطفال دائمًا بتعليمهم عن أهميّة العقل. فكما أنّ الأسد له مخالب والغزالة لها أقدام سريعة، نحن نمتلك العقل، وهو ما يجعلنا نفكّر وننتج أفكارًاً جديدة تساعدنا على حلّ الكثير من مشكلاتنا.
من الخطوات الأولى الّتي يمكن لكلّ أم أو أب البدْء بها لتعليم الأطفال الفلسفة (طبعًا خارج إطار برنامج منظّم، والذي يجب أن تتبنّاه المدرسة ضمن منهجها الدّراسي) هي الألعاب الفكرية، كأن نطلب من طفل أن يتخيّل أنّه يملك مِصباحًا سحريًّا، فماذا يتمنّى ولماذا؟
أو أن يتخيّل أنّه يرتدي قبّعة الإخفاء، والّتي حين يرتديها لن يراه أحد، فماذا يفعل؟ ولماذا؟
أو أن يقرأ قصّة ويعيد توزيع الأدوار، ويتخيّل نفسه مكان البطل، فيعيد أحداث القصة بطريقة أخرى، ويشرح لماذا هذا التّغيير.
ثم ننطلق بعدها لأسئلة أكثر عمقاُ، كمثال: كيف نعرف أن الموسيقى جميلة؟
ثم نتناقش حول مبادئ مثل؛ الحقيقة والعدالة والصّداقة والمعرفة، مع تخصيص بعض الوقت للتّأمل في صمت، وإعداد الأسئلة وطرحها والبناء على أفكار بعضنا البعض.
لكن ينبغي علينا دائما أن نتخطّى أكبر حاجزين يمكن لهما تحطيم قدرات أطفالنا النّضرة على التّفلسف، وهما: ممارسة السّلطة المباشرة في السّؤال والإجابة، والتّقليل من شأن تساؤلاتهم.
***
تشير الدّراسات البحثيّة إلى أن تعلُّم الأطفال المفاهيم الفلسفيّة ينمي عندهم مهارة التفكير النّقدي والذّكاء العاطفي، ويعلّمهم الدّفاع عن آرائهم وتبرير وجهات نظرهم باستخدام الحجج المنطقيّة، وذلك يجعلهم أكثر مرونة في تفكيرهم، فيسهل عليهم تقبّل الأفكار الجديدة المختلفة، إضافة إلى أنّه يساهم في تعميق العلاقة بينهم وبين أقرانهم، وبينهم وبين آبائهم ومعلّميهم ...
تعليم المفاهيم الفلسفية غايته حثّ الطّفل على التفكير والتأمّل، خاصّة إنّ الأطفال ـ وفق العلماء ـ يتساءلون باستمرارعن الأشياء من حولهم، تمامًا كما يفعل الفلاسفة. ومنذ سنّ الرّابعة تقريبا، يصبحون قادرين على مناقشة بعض المسائل العامة، كتقييم سلوك الآخرين؛ إلا إنّه غالبًاً لا يسُتفاد من هذه الصّفة الفطريّة لديهم. فمعظم برامج تعليم الأطفال تكاد تخلو خلوًّا شبه كامل من أشكال الحوار الفلسفي، ربما لأنّ إدخال الحوار الفلسفي إلى برنامج التّعليم يتطلّب أن يكون المعلمون مدرَّبين تدريبًا جيدًا للقيام بذلك.
على الرّغم من أن وظيفة المعلم تنحصر في توجيه الطّلاب والإجابة عن استفساراتهم ومساعدتهم على الالتفات إلى الطّريقة الّتي يفكّرون بها والتأكد من أنهم في حديثهم وتفكيرهم يتّفقون مع معايير الحوار والاحترام والمنطق، إلا إنّه من المهمّ أن يكون المعلّمون متمكّنين من إدارة الحوار الفلسفي بين الأطفال بطريقة فعّالة، تجعلهم يستوعبون بسهولة أساسيات المناقشة الفكرية الجيّدة؛ كالتّروّي قبل الشّروع بالكلام، وتعلّم تبرير الآراء باستخدام مفردات مثل: لأن، لماذا، من أجل، بما أن، بالتّحديد، بالتّالي أو غيرها من المفردات التي توضح أسباب الرّأي.
أمّا هل يناسب هذا البرنامج كلّ الدّول والثّقافات؟
إن هذا البرنامج يناسب كل دولة تعاني وتنتقد البرنامج التّعليمي الحالي الذي يعتمد على الحفظ ، والذي لا مكان فيه للتّأمل والتّفكّر والتّعمق . إذ تعتمد مناهج التدريس في المدارس على ضخّ مجموعة كبيرة من المعلومات قد ينساها الطّالب مع مرور الوقت؛ بينما نجد - وكما أشارت تقارير الأونسكو- أنّ بعض المدارس التي طبّقت هذه البرامج قد تمّ الإستغناء فيها عن النّظّار، فصار الأطفال يطبّقون الأصول الأخلاقية بأنفسهم ودون الخوف من ناظر أو معلّم.
لا بدَّ من الإشارة إلى أنّ هذا البرنامج قد انتشر ويتمّ تطبيقه في مئة ودولتين في العالم ومن بينها، في منطقتنا الجمهورية الإسلامية الإيرانية فقط، والتي سعت لتطبيق هذا البرنامج بعد تأكيد القائد الخامنئي على أهميّة هذا الموضوع، وأهميّة إدراجه في المناهج الدراسية، والبدء بصياغة برنامج خاص ينسجم مع حاجات وثقافة إيران.
وإذا ما عدنا إلى الرّؤية الإسلامية، أو فلسفة التربية الإسلامية، فإننا نرى تأكيد المنظومة التربوية الإسلامية على التّعقل والتّفكر والحوار والمحاججة العقلية:
"بشّر عباد، الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه اولئك الذين هداهم الله واولئك هم اولوا الألباب"(الزمر، 17ـ18).
"قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكّرون"(الأنعام، 50).
"أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها" (الحج، 46).
********
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

صورة
د.أميمة عليق ـ أستاذة جامعية؛ اختصاصية في علم النفس التربوي