ما هو موقع الطفل من الفلسفة؟

البوصلة/ أساسيّات وركائز

الشيخ يوسف شمس الدين ـ ماجستير علم اجتماع سياسي وماجستير فقه وأصول
"ينبغي على الإنسان إما أن يتفلسف أو أن يودّع الحياة ويمضي من هنا"(1)،
هكذا كان تعاطي أرسطو مع الفلسفة! فبالنسبة إليه كانت هي مسألة حياة أو موت.
ولكن هذا التفلسف والعمق بالتفكير، ارتبط عند الكثير من الفلاسفة المتقدّمين وأرباب المدرسة اليونانية بمرحلة عمرية دون غيرها من حياة الإنسان، وهي الفئة الراشدة القادرة على التأمل والجدل والتي تتمكّن من معانقة التفكير المجرّد الصوري.
غير أن هذه المناعة سرعان ما تهاوت ليكتشف كل من له باع في عملية التربية أن التفلسفَ هو لحظةٌ وجوديةٌ بامتياز، يمارسها حتى الصغار عن طريق الشك والاحتجاج والعناد والشغب.
من هنا، تجدر الإجابة عن السؤال التالي: "ما هو موقع الطفل من الفلسفة؟"
ولكي نحسن الاجابة، من المهم أن نتعرّض لبعض الأسئلة التي توضّح ماهيّة الفلسفة، وتمكّن القارئَ من اتخاذ موقفٍ بناء على ما يثيره السؤال في نفسه من إجابات مفترضة لكلٍّ بحسبه.
والسؤال الذي يمكن الانطلاق منه هو: "هل يصحّ التعاطي مع الفلسفة كمُنتجٍ معرفيٍ أم أن الفلسفةَ تعني القيامَ بفعل التفلسف كطريقة تفكير فلسفية؟"
تكمن أهمية الإجابة عن هذا السؤال في أن التعاطي مع الفلسفة كنتاج معرفي يعني أنها موضوعٌ محدّد مسبقًا، وبالتالي فإن طبيعة هذا الموضوع وخصائصه تساهم في تحديد خصائص الذات الكاشفة عنه (المستهلكة له). فلو كان الموضوع جسمًا معرفيّا مشتملًا على تاريخ الفلسفة وأفكار الفلاسفة العلميين ابتداء من طاليس حتى آخر فيلسوف يعيش بيننا اليوم للزم افتراضُ شروط معيّنة ومحددة لطبيعة الذات الباحثة.
ولكي تتضح المسألة أكثر يمكننا ضرب مثال أوضح، وهو أن الأطفال لا يشتغلون بالرياضيات ولا بالتاريخ، لكن هل يعني هذا أنهم في الواقع يفتقدون القدرة على المقارنة بين الأشكال الهندسية في الخارج، أو أنهم عاجزون عن التأليف بين مختلف القضايا التي تحمل متغيّرات في طيّاتها؟! وهل أنهم بعدم اشتغالهم بالتاريخ المدرسي، مفتقدون لذاكرة المكان والمحيط وعاجزون عن سرد أحداث سمعوا بها أو حصلت معهم؟!
إن التعاطي مع الدراسات الرياضية والتاريخية باعتبارها جسمًا معرفيّا محددًا سابقا يفترض وجود شروط محددة لمن يريد دراستها، لكن عند التعاطي معها كفعل وجوديّ متجاوزٍ للموضوع المُحدّد مسبقا تتهاوى شروط الذات الدارسة ويشتدّ التداخل وجوديّا بين الباحث والمبحوث.
نحتاج هنا للتعرّض لتعريفات جديدة للفلسفة أتقن عرضها الفيلسوف جيل دولوز معتبرًا أن هذه التعريفات لا تعيّن نشاطًا محدّدًا للفلسفة، على الأقل من وجهة نظر تربوية. ومن هذه التعريفات: "أن يعرف الإنسان نفسه بنفسه، أن يتصرف كما لو لم يكن هناك من شيء بديهي، أن يندهش من أن الكائن يكون.."(2)
السؤال الآخر الذي يمكن إثارته في هذا المجال، يدور حول علاقة الفلسفة باللغة. فمن المعلوم والمتعارف عليه سواء في التربية أو في فلسفة اللغة، أنه كلما كان الطفل أصغر سنًّا كلما افتقد التعبير الشفاهي عن بعض أفكاره.
من هنا، فلو كان الموقف المُتّخذ من الفلسفة موقفًا كلاسيكيا واعتُبرت بذلك شكلًا معرفيًّا محدّدًا، حينها لا بدّ من اشتراط لغةٍ للاشتغال الفلسفي، وبالتالي تحديد فئات عمرية بحسب ملاحظة التفاعل اللغوي، أما لو كان الموقفُ من الفلسفة موقفًا وجوديًّا تتداخل فيه الذاتُ الباحثةُ بالموضوعِ، وتتفلّتُ فيه عمليةُ التفكير عن القيود والرسوم، حينها يقبحُ اشتراطُ لغةٍ معيّنةٍ للتّفلسف، وبالتالي تتداخل الفئات العمرية بحسب ملاحظة التفاعل الفكري لا اللغوي.
هذا، ولا بأس في أن نهزّ عرش العقل البديهي العُرفي الذي اعتدناه، ونطرح هذا السؤال: "هل هناك ما يميّز الطفلَ عن الراشد في تعاطيه الفلسفة؟"
لن أطيل في سرد الاجابات المحتملة عن هذا السؤال، ولكن سأسمح لنفسي أن أثير عقل القارئ العزيز عبر طرح مقولة غاريث ماثيوس المشهور في تأييده لبرامج فلسفة الأطفال وهي: "أفضل فيلسوف راشد هو الذي يبقي على جنبة الدهشة الطفولية فيه."(3)



1. ارسطو، دعوة للفلسفة، ترجمة عبد الغفار مكاوي، ص 73، دار التنوير، بيروت.
2. أنظر جيل دولوز وتحديد الفلسفة، جمال نعيم، المركز الثقافي العربي.
3. G.Mathews,The philisophy of Childhood مجلة المحجة، العدد 29، الفلسفة عند الأطفال، معهد المعارف الحكمية.
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

الشيخ يوسف شمس الدين ـ ماجستير علم اجتماع سياسي وماجستير فقه وأصول