العالم الافتراضي يتحدانا!

البوصلة/ أساسيّات وركائز

عزة فرحات - باحثة وكاتبة في شؤون الأسرة والمرأة والطفل

التربية في زمن التكنولوجيا وعصر الاتصالات السريعة أكثر تعقيدًا من قبل، فبالإضافة إلى بذل الجهود الكثيفة والمتابعة الحثيثة يحتاج الوالدان إلى اكتساب مهارات متجددة وفي مجالات مختلفة. لقد بات الأهل والمربّون اليوم معنيين بعالَمَين اثنين أثناء أدائهما لمسؤولياتهما التّربوية: العالم الواقعي والعالم الافتراضي، بكل ما يتضمنه الأول من تشعبات، والثاني من مؤثرات هائلة تكاد تفوق قدرة الأهل، إن هم غفلوا عن آثاره أو لم يواكبوا تطوراته.
لقد شرّعت الانترنت أمامنا اليوم أبواب عالم كبير مليء بكل أطياف الناس الأخيار منهم والأشرار، وأصناف المعلومات المفيدة والمضرة والصادقة والكاذبة، على امتداد الليل والنهار. وغير خفي أن استعمال وسائل التكنولوجيا هذه الموصولة بالشبكة العالمية، يحتاج إلى "دليل استخدام" يمكّن الفرد من الاستفادة منها من دون الوقوع في شراكها.
ترافقنا الانترنت في البيت والمدرسة ومكان العمل، ولا تغادرنا أينما كنّا، سواء عبر الحواسيب المحمولة أو الهواتف الذكية. ولأن العالم الرقمي زاخر بالتحديات المجهولة لدى الكثيرين، فإنّ تعاطي الأهل والأولاد معه على أنه آمن أو لمجرد التسلية هو أمر بالغ الخطورة.
إن المخاطر التي يمكن أن يتعرض لها أولادنا باستخدامهم غير المقنن والمراقب لوسائل الاتصال الحديثة المتصلة بالشبكة العنكبوتية خصوصًا، لا تقف عند تعريضهم للمفاهيم المغلوطة أو ممارساتهم للألعاب غير المجدية. هذا العالم الرقمي مليء بمواقع العنف والانتحار والشذوذ والإباحية والأوهام جنبًا إلى جنب المواقع العلمية والثقافية والاجتماعية الجيدة. وما لم يلعب الأهل دور المرشد والرقيب على الأبناء أثناء خوضهم غمار هذه التحديات، فإن خطرها سيطال عالم الأبناء الواقعي ليتمظهر بداية في الإدمان على استخدام هذه الوسائل، ومن ثمّ في الانحلال الأخلاقي والتراجع الدراسي والمشاكل النفسية والسلوكية والاجتماعية.
فكيف نضمن ألّا يتبنّى أبناؤنا المفاهيم الخاطئة، وألّا يدخلوا المواقع الإباحية، أو يتواصلوا مع الأشخاص السيئين الذين يريدون استغلالهم؟ لا يوجد في عالم الانترنت رادع تقني لحماية المتصفّح، وليس هناك آلية لمعرفة عمر أو جنس أو ديانة أو جنسية من يمكن أن يتحدّث معه.
وفي حين نجد الكثير من الأهل يجهلون ما يعايشه أولادهم في هذا العالم، يقع الأبناء أنفسهم في حيرة وصراع بين تحدّي الالتزام بما تربّوا عليه من قيم ومبادئ وبين الاستغراق فيما هو متاح لهم بكبسة زر.
ينجذب الأبناء في عمر الشباب والمراهقة وبشكل طبيعي إلى قضايا الجنس والحب والعلاقات جراء ما يرافق هذا العمر من تطورات جسدية ونفسية، وتشكّل الانترنت وسيلة مغرية للاطلاع على أسرار هذا العالم الغامض بنحو يظنّه المراهق آمنًا وميسّرًا، حيث يمكنه أن يصل إلى المواقع والصور والأفلام الممنوعة دون أن يتحرّك من مكانه أو يلفت نظر أحد. وتحفّزه سهولة التواصل على المواقع الاجتماعية أن يعيش تجربة العلاقة مع الآخر دون كلفة المواجهة المباشرة مع الناس؛ هذه العلاقة التي يميل إليها نفسيًا وجسديًّا وتمتنع عليه في مثل عمره في عالمه الواقعي.
يسقط الكثير من الأبناء المراهقين والشباب في فخ هذه المغريات، رغم معاناة أغلبهم من تأنيب الضمير والشعور بذنب مخالفة قيمهم ومثلهم العليا. ورغم أن أكثر أبناء اليوم يتفوقون على آبائهم في معرفة كيفية عمل وسائل التكنولوجيا واستخدامها، فإنهم على الدوام في أمسّ الحاجة إلى مساعدة الآباء ليعرفوا كيفية الاعتناء بأنفسهم في هذا الفضاء الواسع والخطير.
لماذا يمتنع ابنك عن دعوة رجل غريب إلى البيت للتحدّث معه بينما يفعل ذلك على الانترنت؟
وكيف ترفض ابنتك إعطاء رقم هاتفها وعنوانها لشخص على الشارع ولا تتورّع عن وضع عنوان بريدها الالكتروني أو رقم هاتفها على شبكة تواصل اجتماعي؟ والسؤال الأهم هو كيف يمكن للأهل أن يعطوا أبناءهم فرصة الاتصال الكامل بالإنترنت دون توفير سبل الحماية من سلبياتها؟
هذا التناقض في المواقف يحكي عن جهل بالمخاطر وتقصير في التوجيه!
تشير الدراسات إلى أن الأطفال الأكثر عرضة لمخاطر الانترنت هم الباحثون عن الاهتمام والعطف، الذين يشعرون بالملل والوحدة، الذين يعانون من المشاكل الأسرية، والذين يقلّ لديهم الوعي والوازع الديني. وتبيّن الإحصاءات أن المكان الأهم الذي يتعرّض فيه الأطفال لهذه المخاطر هو منزل الطفل نفسه حيث يستخدم الحاسوب في بيته أكثر من استخدامه له في منزل شخص آخر أو في المدرسة أو في المكتبة.
إن تأملًا بسيطًا في مدلولات هذه النتائج يضعنا أمام مسؤولية كبرى: نحن كأهل ومربّين معنيون بتعزيز التواصل بيننا وبين أولادنا إلى الدرجة التي لا يشعرون معها بالحرمان العاطفي أو الحاجة إلى البحث عن اهتمام من خارج الأسرة طالما أنهم في كنفها وتحت رعايتها. إن الأبوة والأمومة القائمتين على المحبة والصدق والاحترام والمصارحة والتواصل المستمر مع الأبناء هي أفضل حصانة في مواجهة مخاطر الحياة خارج إطار الأسرة. وتأتي التربية الدينية والأخلاقية التي يلتزم بمبادئها وقيمها الأهل أولًا، ويتبنّاها الأبناء ثانيًا، لتشكّل رادعًا ووازعًا نفسيًا، عند الأبناء كما الأهل، يقيهم خطر الوقوع في شراك تلك المخاطر.
كيف نحمي الأسرة؟
قبل الحاجة إلى البحث عن حلول للمشاكل، يسعى الوالدان إلى وضع برنامج وقاية لأطفالهم يغنيهم الالتزام به عن الحاجة إلى العلاج في مراحل لاحقة. وهذه أهم الخطوات التي يمكن اتّباعها:
- وضع قيود على سنّ استخدام الانترنت عمومًا، ومواقع التواصل الاجتماعي خصوصًا.
عندما يحدد الأهل سنًا معينة، دون المنع مطلقا، يُشعرون الأبناء بالثقة ولا يدفعونهم لتجربتها سرّا.
ليس هناك عمر واحد ينبغي أن يسري على جميع الأطفال، فلكل أسرة خصوصياتها. المهم أن نعلِّم أولادنا في هذا المجال أن حاجتنا إلى الوسائل هي التي تحكم اقتناءنا واستخدامنا لها، وليس أن فلانًا أو فلانة لديه مثلها.
- حصر الاتصال بشبكة الإنترنت بكمبيوتر واحد في المنزل يوضع في غرفة المعيشة، بعيداً عن غرف نوم الأولاد.
- الابتعاد قدر الإمكان عن وصل الهواتف الخلوية الخاصة بالأولاد بخدمة الإنترنت، لأن الرّقابة عليها تصبح أصعب بكثير.
لا حاجة أساسًا لأن يكون للأولاد هاتفهم الخاص قبل المرحلة الثانوية في المدرسة، ولا حاجة- في حال توفره- لوصله بالإنترنت، فالعنوان الإلكتروني الذي يمكِّن الأولاد من تحميل تطبيقات مفيدة، يمكِّنهم هو نفسه من تنزيل مواد غير مناسبة أو خطرة عليهم وبالمجان.
ولتجنّب الصراعات يمكن اللجوء إلى اقتناء هاتف خلوي إضافي في المنزل يكون ملكاً للأسرة، تجري إعارته للولد الذي يحتاجه.
- تحديد أوقات استخدام الهاتف والكمبيوتر، مع مراعاة الحاجة ودون السماح بأن تكون هذه الوسائل قيد الاستعمال طوال الوقت.
- مساعدة الأولاد على تنظيم أولوياتهم، ورعاية ترتيبها دون إهمال الواجبات المدرسية والأسرية والاجتماعية على حساب الاهتمامات التكنولوجية.
- مناقشة مخاطر مواقع التواصل الاجتماعي مع الأولاد وتذكيرهم بها بين الحين والآخر، فمعظم الأطفال يجهلون النتائج المترتبة على استخدام هذه المواقع.
لا داعي لأن يكون للأولاد حسابات خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي ما لم يكن هناك حاجة. هذه الحاجة يحددها الأولاد أنفسهم مع بداية المرحلة الثانوية في المدرسة. المهم أن يكونوا واعين لما يرجونه من هدف وفائدة .
- التأدب بنفس الآداب واللياقات التي تحكم علاقاتنا الاجتماعية الواقعية، في مواقع التواصل: رعاية الأدب في الحديث، عدم استخدام الألفاظ النابية، احترام ملكية وخصوصية الآخرين، رعاية الحدود الشرعية وعرف المتدينين؛ كل هذه الأمور ينبغي أن يتمكّن منها الأبناء قبل دخولهم على العالم الرقمي.
في حال استخدام أولادنا للإنترنت، لا بد من تحذيرهم من مجموعة أمور أساسية:
- عدم تنزيل أي مرفق من بريد إلكتروني مجهول.
- عدم المشاركة في أي مسابقة أو استبيان أو اشتراك في أي موقع دون الرجوع إلى الأهل.
- عدم تقديم أية معلومات خاصة أو صور أو كلمات مرور لأي شخص خارج إطار الأسرة.
- عدم التحدث مع أشخاص أغراب على الإنترنت، لاحتمال أذاهم وتخفّيهم خلف شخصيات وهمية.
من المفيد لكل أهل الاستعانة بموقع الحملة الوطنية لأمن الإنترنت www.e-aman.com.
كيف نتعامل مع الخروقات؟
لكن على الرّغم من جميع الخطوات الوقائية، قد يلاحظ الأهل أحيانًا وكأنّ ولدهم المراهق يزور مواقع إلكترونية غير سليمة، أو أنه يجري محادثات مع الجنس الآخر على مواقع التواصل ولا يلتزم بآداب التواصل المسنونة في قوانين الأسرة، فما هو التّصرف السليم في مثل هذه الحالة؟ وكيف يحُولون دون تردّي حال الابن اكثر؟
من المهمّ في مثل هذا الوضع أن يتّبع الأهل الخطوات التالية:
- مراجعة الضّوابط والقوانين التي تتعامل وفقها الأسرة في استخدام الانترنت، وإجراء التعديلات اللازمة عليها وفق ما بيّنا.
- اعتماد محرّكات البحث الخاصّة بالأطفال والمراهقين؛ فهي تتوفر على خدمة الفلترة التي تمنع المحتويات السلبية.
- إضافة برامج حماية للمحادثات يتم تثبيتها من قبل الوالدين على أجهزة الأولاد تمنع إضافة أصدقاء جدد إلا بموافقة الأهل، حيث تصلهم رسالة على هواتفهم تطلب منهم الترخيص لإضافة الوافد الجديد.
- تفعيل التواصل مع الابن ومحاولة معرفة همومه واهتماماته وتعزيز ثقته بنفسه.
- إشغال الابن بأعمال وأنشطة وحثه على ممارسة الرياضة وتقليل ساعات فراغه إلى الحدّ الأدنى، بحيث يتم ملؤها بأمور يرغبها.
- الحديث أمام الابن وباقي أفراد الأسرة عن مخاطر الإنترنت وآثار الانغماس في ما تعرضه من سموم بدل الاستفادة منها.

وفي حال تمّ اتّباع كل هذه الخطوات، ولم يلمس الأهل التّغيير المطلوب في الابن، فلا بدّ حينها من مصارحته حرصًا عليه ومساعدة له لإصلاح وضعه، لا لغرض فضحه أو توبيخه.
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي