اللي بيضربك..شو بتعمل معه؟

البوصلة/ أساسيّات وركائز

عزة فرحات - باحثة وكاتبة في شؤون الأسرة والمرأة والطفل
"اللي بيضربك اضربه!" مقولة يلجأ إليها كثير من الأهل خوفًا من أن ينشأ ولدهم ضعيفًا أو يكون ضحية.
ويقف في مقابل هؤلاء من يقول "الضرب ممنوع في كل حال!" ولا نلجأ إليه بتاتًا، و"المسامح كريم!"
وما بين هؤلاء وأولئك يقف الكثيرون محتارين، فالأطفال أنفسهم مختلفون:
روى لي أحدهم كيف أنّ والده كان يضربه عندما كان طفلًا كلما عاد إلى المنزل مضروبًا من قبل أحد الأولاد ويهدّده بالقول، "إن لم تضرب من يضربك سأضربك أنا أيضًا". ولم يتمكّن الطفل يومًا من ضرب أحد، فقط تراكمت مشاعر العجز والغلّ في نفسه حتى بات محتاجًا لعلاج من نوع آخر في كبره.
وأذكر ابنة صديقتي كيف كانت تبادر إلى ضرب صديقتها "احتياطًا" كلّما استشعرت أنّ الموقف بينهما قد يتطوّر إلى خلاف، وتجيب من يسألها عن سبب فعلها بالقول: "ربما كانت ستضربني لو لم أضربها!"
ومهما اختلف الأطفال في سلوكهم لن يختلف تربويان في أنّ ثقافة (من يضربك اضربه!) غير تربوية لسببين أساسيين:
- الأول: أنّ الضرب مقابل الضرب يعزّز العنف، ويجعله خيارًا أول عند الطفل في حلّ مشاكله. ولك أن تتصوّر الحال عندما يلجأ طفلك إلى الضرب في معالجة أموره كلّها!
- الثاني: أنّك تفترض أنّ ابنك قادر على تطبيق نصيحتك، لكن ماذا لو كان المعتدي طفلًا أكبر أو أقوى؟ وماذا لو كان طفلك ضعيفًا بدنيًّا أو نفسيًّا؟ سيشعر الطفل بضعفه أكثر، وتزداد مشاكله تعقيدًا لأنّ فشله سيكون دومًا ماثلًا أمامه.
لكنّ اعتماد مبدأ مسامحة الطفل لمن يضربه فيه مشكلة أساسية أيضًا، فهو بالإضافة إلى تضييع الحقوق يؤسس لشخصية تقبل الإهانة والاستضعاف، ولا تستشعر الكرامة الإنسانية، فالعفو والصفح لا يكونان إلّا عند المقدرة، وعندما يصدران من الضعيف قسرًا فإنّهما يعزّزان الخنوع والشعور بالحقارة.
ماذا نفعل إذًا؟ وكيف نتصرّف مع أولادنا المعرّضين لمواقف من هذا القبيل في الحي وفي المدرسة؟
قبل الحديث عن الخطوات اللازم اتباعها في هذا المجال ينبغي أن يلتفت الأهل إلى أمرين:
1. إن حماية الطفل من الأذى هي حق من حقوقه، وواجب على والديه ومن يتولى شأنه أينما كان، ومن يترك حماية ولده ويكلها إلى الطفل نفسه يكون مقصّرًا، تمامًا كمن يترك إطعام طفله وتأمين احتياجاته ويوكل إلى الطفل تأمينها.
2. إذا كنّا غير قادرين على تأمين البيئة النموذجية لأطفالنا على الدوام، وهي في هذا المجال المحيط الآمن الخالي من الأخطار والاعتداءات الجسمانية والنفسية من قبل الغير، يمكننا بالحد الأدنى أن نعدّه للتعامل مع مختلف المواقف التي تواجهه بالنحو الأمثل.
الوقاية خير من العلاج!
لكي نجنّب أبناءنا إمكانية تعرّضهم للضرب من قبل الآخرين، ونمنعهم في الوقت نفسه من أن يكونوا معتدين، ينبغي أن نربّي طفلًا منذ الصغر:
1. صحيحَ البدن، معافى، يتمتّع بالصحة والسلامة.
2. محترَمًا، واثقًا، عزيزًا في نفسه، مطمئنًّا إلى أنّ أهله هم مصدر الأمان والعون عند كل رخاء وشدة.
3. يعرف حقوقه وحقوق جسده، وما يحقّ للناس وما لا يحقّ لهم في التعامل معه. ويقول "لا" حيث ينبغي.
4. يحترم أصدقاءه، ويحبّهم، ويدافع عنهم إذا ظُلموا.
5. يميّز بين نقل الكلام السيئ واستغابة الآخرين وبين التبليغ عن أي اعتداء قد يجري عليه، ويدرك أنّ طلب المساعدة من الكبار عندما يشعر بالعجز، أمر ضروري ولازم.
6. يدافع عن نفسه، ويحسن السيطرة على بدنه واستعمال يديه في المواقف الفجائية.
إنّ الطفل الواثق من نفسه وقدراته، المنطلق في التعبير عن أفكاره ومشاعره أمام أهله وأصدقائه يخيف المُعتدين، فيتجنّبون التورّط معه. وتربية هذا الطفل هي واجبنا. لكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه؛ ماذا لو اكتشفنا أو كشف لنا طفلنا أنه يتعرّض للضرب من قبل أقرانه؟
على الأهل ها هنا العمل على ثلاث جبهات: الجبهة الأولى يمثّلها طفلهم (الضحية) والثانية تتمثّل برموز السلطة في مكان الحدث (الضرب) والثالثة تتمثّل بالطفل المعتدي وأهله.
على الجبهة الأولى:
لا يؤنَّب الطفل على تعرّضه للضرب، مع التأكيد على أنّ الضرب اعتداءٌ يجب إيقافه!
ينبغي أن يطمئنّ الطفل أنّ والديه سيساعدانه في منع الاعتداء عليه، ولكن تقع عليه هو مسؤولية اتباع الخطوات التالية:
1. عدم الصمت أمام المعتدي، بل الصراخ بحزم وقوة في وجهه. المعتدي يتجرّأ أكثر أمام من يرضى بالظلم.
في العادة يخاف المعتدي من لفت الأنظار ووصول الأمر للكبار. وهو يحاول الاستفراد بالمعتدى عليه. الصراخ يستجلب اهتمام الحاضرين، الأصدقاء أوّلًا والكبار في المكان ثانيًا، وبالتالي تتوفّر المساعدة.
يجب على الطفل أن يصرخ بكلمات توحي بالقوّة لا بالضعف. ليقل مثلًا بأعلى صوته: "توقّف!" "خلص!" "بس!"، ولا يعمد إلى كلمات من قبيل "ساعدوني" "عم يضربني".
أحيانًا تنتهي المشكلة هنا.
2. إذا لم يرتدع المعتدي لا بدّ أن يلجأ الطفل إلى منعه بالقوة قبل أن يبدأ العراك الفعلي، كأن يدفعه بكلتا يديه بحيث يبعده عنه أو يوقعه أرضًا.
ويكون أمام الطفل ها هنا خياران: إما أن يسارع إلى الكبار القريبين (الناظر أو المعلّمة في المدرسة، الأهل) ويبلّغ هذه السلطات بما حصل، وإما أن ينتظر ردة فعل المعتدي: بعضهم قد يتراجع ويبيّن أنّه كان ممازحًا، وبعضهم قد يهدّد وينسحب. وهنا على الطفل أن يؤكّد على عدم قبوله تكرار هذا التصرف من زميله مهما كان!
في كثير من الأحيان يدرك المعتدي وخامة المخاطرة باعتداء جديد على الطفل، ويرتدع.
3. إذا لم يتوقّف المعتدي وشرع بالاشتباك بالأيدي قبل أن يتمكّن الطفل من التوجّه إلى السلطات، على الطفل أن يسعى ما أمكنه لصدّ الهجوم المقابل دفاعًا عن النفس.
إذا لم يتمكّن الطفل من الدفاع عن نفسه إلّا بالضرب المقابل فلا بأس، ولكن بالحدّ الأدنى الذي يوقف العراك.
من المهم أن نذكّر الطفل بأنّه دائمًا قادر على الدفاع عن نفسه مهما كان الطرف المقابل أقوى أو أكبر.
ليس المطلوب أن نضغط على الطفل ونطلب منه ألّا يتعرّض للضرب مطلقًا، فهو تكليف بما لا يطاق. المطلوب أن لا يقف مكتوف اليدين حتى يصل الكبار أو ينصره الأصدقاء.
من المفيد جدًّا للأطفال ما فوق السابعة أن يتعلّموا بعض الفنون القتالية الدفاعية، خاصة إذا كان الطفل ضعيف البنية.
الأطفال ما دون السابعة يجري تمرينهم على ذلك من خلال اللعب؛ سواء من قبل الأهل أو بعض الخبراء المقرّبين من الأسرة.
هذه الخطوات بهذا الترتيب لازمة وثابتة، ولا ينبغي أن يتخطّاها الطفل إذا كان المهاجم أضعف منه، أو يتراجع عنها إذا كان المعتدي أقوى. لكن إذا كان فارق القوّة كبيرًا، فمن الحكمة أن يسعى الطفل للفرار إن أمكنه ومن ثمّ إبلاغ الأهل أو السلطات. مهمّة الطفل هي أن يتجنّب العراك في المقام الأول، لكن عند وقوعه يجب أن نمكّنه من خوض المواجهة.
على الجبهة الثانية:
لأنّ حماية الطفل واجب على الأهل، ينبغي أن يبادر الوالدان للاتصال مباشرة برموز السلطة في مكان الحدث؛ في المدرسة مثلًا لا بدّ من الاتصال بالمعلمة والناظر لاستيضاح ما جرى بالضبط، وقد يتطلّب الأمر زيارة شخصية للتعرّف على مجريات الأمور، وتحميل المسؤوليات لأصحابها. المفترض أن يتعاون المعنيّون في المنزل والمدرسة لتأمين المحيط الأفضل للطفل. ومن المهم أن يواكب الطفل متابعة الأهل مع تلك السلطة، وأن يتحسّس الأهل ردة فعله تجاهها. ينبغي أن يعلم الطفل أنّ متابعة الأهل ليست لضعفٍ فيه وإنّما هي من مسؤولياتهم، وأنّها لا ترفع عنه ما يجب عليه، بل هي خطوة في الطريق.
على الجبهة الثالثة:
وكما في كل مسألة تتعلّق بطرفين أو أكثر، فإنّ الحل والعلاج الأمثل يكون منوطًا بالأطراف كلّها.
هنا لا بدّ من معرفة واقع الطفل المعتدي. لماذا يعتمد الضرب أسلوبًا للتواصل؟ في معظم الأحيان الأولاد الذين يتعرّضون للضرب في أُسَرِهم يلجأون إلى الضرب مع زملائهم. لا بأس بالتواصل مع أهل المعتدي بقصد الإصلاح، والإعانة إن لزمت.
التعرّف على أسرة الطفل المعتدي وواقعه فيها يساعدنا على تقدير حجم المشكلة وإيجاد الحلول الناجعة لها. ومن يدري؛ ربما من خلال زيارة أو تواصل مباشر تحوَّل هذا الطفل إلى صديق مقرّب.
ولا فرق عمومًا بين البنات والصبية في هذا الشأن في السبعة الأولى من العمر، أي مرحلة الروضات. أما لاحقًا فيفترض أن يتمّ الفصل بين الذكور والإناث في المدارس وفي الأنشطة الاجتماعية، ورغم أنّ الاعتداء بالضرب يكون أكثر تكرارًا عند الصبيان وأشد في المراحل العمرية التالية، تبقى أطر الحل التي ذكرت هي نفسها عند كلٍّ من الجنسين.
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

عزة فرحات
باحثة وكاتبة في شؤون الأسرة والمرأة والطفل